حلقات من تاريخ نقابة مفتشي التعليم
الحلقة الرابعة: المؤتمر التأسيسي، صراع التيارات وانتصار صوت الحكمة

عبد الرزاق بن شريج
تقديم
كما أشرت في الحلقة الثالثة، شهدت مدينة فاس مساء الجمعة 4 أبريل 2003 حدثًا نقابيًا استثنائيًا تمثّل في انعقاد المؤتمر التأسيسي لنقابة مفتشي التعليم، الذي احتضنه مجمع الشباب القدس بفاس وسط حضور مكثف تجاوز 213 مؤتمرًا من مختلف مناطق المغرب.
المؤتمر لم يكن مجرد لقاء عادي، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من النقاشات والتحضيرات، وسط تجاذبات سياسية ونقابية حادة، حيث اجتمع تحت سقف واحد مفتشات ومفتشون يمثلون تيارات متعددة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مرورًا بالتيارات الإسلامية.
افتتاح انتصر فيه الحماس على الإرباك
لم يكن انطلاق المؤتمر سهلًا، فقد كادت محاولة إفشاله من طرف مدير مجمع القدس تعصف بكل شيء، لولا تدخل عامل فاس في اللحظات الأخيرة مساء الجمعة 4 أبريل 2003، حيث فُتحت الأبواب في وقت متأخر.
بدأت الجلسة العامة الأولى حوالي الحادية عشرة والنصف ليلاً، استُهلت بكلمة اللجنة التحضيرية، تلتها عملية انتداب رئاسة المؤتمر المكونة من خمسة أعضاء، تم الاتفاق على ألا يترشحوا لأي منصب، مع احتفاظهم بحق التصويت.
وبعد تقديم اللجنة التحضيرية استقالتها، انطلقت مباشرة مناقشة مسطرة المؤتمر وسط مرافعات محتدمة اتسمت بالتوتر والاختلافات الحادة، واستُعملت فيه كل أدوات الإقناع والانتقاد، بل وصلت الحدة أحيانًا إلى الرفض الباث لبعض المقترحات، لكن في النهاية تم الاتفاق على مسطرة المؤتمر بعد إدخال التعديلات الضرورية واللازمة.
توزيع المؤتمرين على خمس لجان رئيسية
رغم حدة النقاشات وتباين الخلفيات السياسية، أظهرت رئاسة المؤتمر حكمة كبيرة مكنتها من التوصل إلى مسطرة توافقية صودق عليها بالإجماع.
وتم توزيع المؤتمرين على خمس لجان رئيسية انكبت على صياغة وثائق النقابة الأساسية:
(الورقة التوجيهية، القانون الأساسي، النظام الداخلي، الملف المطلبي، والبيان الختامي)
أما مناقشة الوثائق الخاصة بالدعوى القضائية ضد الحكومة بشأن المرسوم 2.02.854 المتعلق بموظفي وزارة التربية الوطنية، فقد تقرر تأجيلها إلى أول اجتماع للمكتب الوطني بحكم طبيعتها التقنية التي تستلزم التوفر على الاعتراف القانوني بالنقابة (وصل الإيداع) والتنسيق مع محامٍ مختص.
مخاض عسير في ليلة بيضاء
دخلت اللجان في سباق محموم مع الزمن، حيث اشتغلت طيلة ليلة الجمعة 4 أبريل وصباح السبت 5 أبريل 2003، واختارت كل لجنة منسقًا ومقررين اثنين لتدبير أشغالها.
تولى المنسق والمقرران مهمة إدخال التعديلات المقترحة من طرف أعضاء اللجنة، على أن تُعرض الخلاصات النهائية خلال الجلسة العامة الثانية.
الجلسة العامة الثانية: بروز تقاطب التيارات وانتصار صوت الحكمة
انطلقت الجلسة العامة الثانية صباح السبت 5 أبريل حوالي الساعة التاسعة صباحًا، وخصصت لمناقشة خلاصات اللجان والمصادقة عليها.
تركزت أعنف النقاشات حول الورقة التوجيهية والقانون الأساسي، حيث احتدمت المواجهة بين مختلف التيارات إلى حد خلق توتر غير مسبوق داخل القاعة.
تزايد الصخب لدرجة اضطرت معها رئاسة المؤتمر إلى توقيف الأشغال نصف ساعة، وهي فترة استغلها “حكماء” النقابة من ذوي الخبرة النقابية والسياسية للتدخل لتخفيف التقاطبات وتقريب وجهات النظر، بما في ذلك تغيير اسم النقابة من “النقابة الجامعة لمفتشي التعليم ” إلى “نقابة مفتشي التعليم”، وتحديد شغل للمنصب لولاية واحدة بالتناوب بين الفئات، ….
وبفضل هذه الحكمة الجماعية، استؤنفت الأشغال وصادق المؤتمر في النهاية على الورقة التوجيهية، معتبرًا إياها البوصلة الأساسية للنقابة، مع الاتفاق على عدم تعديلها مستقبلًا، والقانون الأساسي بكون دستور النقابة …
انتخاب اللجنة الإدارية والمكتب الوطني
انتهت الجلسة العامة الثانية حوالي الساعة الثانية بعد الزوال بالاتفاق على انتخاب اللجنة الادارية المكون من 75 عضوا بمعدل 15 عضوا عن كل فئة، مع تمثيل لجميع الجهات، وعلى أن تنتخب كل فئة ممثليها.
وأعلنت رئاسة المؤتمر بدية فترة الدعاية مع استمرارها حتى الساعة الرابعة بعد الزوال بما في ذلك وقت تناول وجبة الغداء.
أشرفت لجنة مكونة من خمسة أعضاء على العملية الانتخابية باستعمال الأوراق وصندوق اقتراع ورقي، ونظرا لكون النقص العددي في فئات التوجيه والتخطيط والاقتصاد فقد اعتبر كل الحاضرين منهم (خلال فترة التصويت) أعضاء في اللجنة الإدارية، ورفع عدد مفتشي التعليم الابتدائي والثانوي لإتمام العدد المطلوب، فأسفرت النتائج على الآتي:
التعليم الابتدائي: 22 عضوًا
التعليم الثانوي: 22 عضوًا
التوجيه التربوي: 15 عضوًا
التخطيط التربوي: 10 أعضاء
الاقتصاد: 6 أعضاء
وبناءً على نفس المسطرة المتفق عليها، تم انتخاب أول مكتب وطني للنقابة مكون من 25 عضوًا.
وعقد المكتب أول اجتماع له مباشرة بعد الإعلان عن النتائج، خُصص لنقطتين مستعجلتين: توزيع المهام بين الأعضاء، والشروع في رفع الدعوى القضائية للطعن في النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية (فيما يتعلق بالمواد الخاصة بالمفتشين).
وقد أسفرت النتائج عن انتخاب السيد محمد الرباحي كأول كاتب عام للنقابة بـ 21 صوتًا مقابل 3 أصوات لمنافسه، مع غياب عضو واحد عن التصويت.
عبد الرحمان العطار مقرّرًا و(عبد الرزاق بن شريج) نائبًا له.
محمد البرمكي أمينًا للمال.
اختيار أربعة نواب لكل من المهام الثلاث: الكاتب العام، المقرر الوطني، الأمين الوطني.
وكُلّف الكاتب العام بالشروع في رفع الدعوى، كما كُلّف المقرر بجمع جميع وثائق المؤتمر، بما في ذلك البيان الختامي الذي صدر رسميًا يوم 7 أبريل 2003.
خاتمة: ولادة نقابة مستقلة وبروز صوت جديد في الساحة التعليمية
مثّل هذا المؤتمر التأسيسي محطة تاريخية في مسار العمل النقابي لهيئة مفتشي التعليم، ليس فقط لأنه أعلن عن تأسيس نقابة مستقلة، بل لأنه أثبت أيضًا قدرة المفتشين بمختلف تياراتهم السياسية والمهنية على تجاوز خلافاتهم، والالتفاف حول مشروع نقابي مشترك.
هذا المشروع الذي وُلد عقب نقاشات حادة وتوازنات دقيقة، سرعان ما تحول إلى فاعل بارز في الساحة التعليمية المغربية، مؤثرًا في قضايا الإصلاح والسياسات العمومية المرتبطة بالتربية والتكوين.