كارثة الحداثة : هل يجب ان ننظر اليوم للمشروع الحداثي الغربي كعدو

أيوب داهي : لوسات أنفو
خلقت الحداثة الغربية اذا إنسانا يرغب في اي شيء يفتقر اليه، فقط لأن شخصا اخر يمتلكه.
روج الغرب بعد نهاية الحرب الباردة ، لمؤسساته السياسية و الاقتصادية مثل الدولة القومية و الديموقراطية التمثيلية ، و حقوق الإنسان، و الاقتصاد الصناعي/التكنولوجي، على انها بنى سوف تعم العالم بالتدريج ، مدفوعة بالطموح الجامح للطبقات الوسطى المنبثقة عن الرأسمالية الصناعية التي ستعمل على خلق تشكيلات حكومية و برلمانية مسؤولة و خاضعة للمحاسبة، و معها سيعم الرخاء و التقدم و السعادة بقاع العالم. اتضح اليوم ان هذا النموذج المبني على قيم التمثيل السياسي و حرية المبادرة و ابتغاء الربح المادي و التقدم الصناعي لم يف بوعوده و استعصى على التعميم، و اليوم يوجد ملايين البشر على قارعة هذا المسار.
ساهم هذا التضليل النظري في انتشار ثقافة الفردانية القائمة على المنافسة و المحاكاة و خلق أجيال تهيمن عليها الحماقة و العنف، فقد أصبح الإنسان يبحث عن جمع الثروة و لكن ليس لتحقيق رفاهيته بل لان الآخرين يسعون أيضا الى جمع الثروة.
نبه جون جاك روسو ان حضارة تبنى على المصلحة الذاتية و الرغبة و الغرور تشوه بعدا ثمينا لدى الإنسان الطبيعي ، هو بعد الاقتناع البسيط بالذات و الحب الاشعوري للنفس. انتصار هذه الثقافة الغربية/الأمريكية الفردانية/العدوانية، بعد سقوط المعسكر الشرقي و القائمة على الرغبة الجامحة في التملك ، انتجت ظاهرة شاذة متمثلة في الرغبة لدى الافراد في محاكاة أنماط عيش الآخرين، لقد خلقت الحداثة الغربية احتياجات كثيرة و خلقت معها في نفس الوقت عدم القدرة على تلبيتها خصوصا في منطقتنا و باقي مجتمعات أطراف النظام الرأسمالي. خلق هذا الوضع شعور بالاحباط و الاستياء و عدم الجدوى و نزعات انتقامية و هيجان شامل في علاقة كل فرد بالاخر ، و مزيج من الشعور بالمهانة و الحسد و العجز. تتزايد اليوم اعداد البشر الذين خاب ظنهم في الحداثة الغربية و التي لا تؤهل الا قلة قليلة من البشر للسير في ركبها. و هذا امر طبيعي فأغلب البشر لا تؤهلهم فطرتهم و لا امكاناتهم و لا جيناتهم للمشاركة في السباق المحموم من أجل اكتساب الثروة و بالتالي يكون مصيرهم التذمر الخانق ، و حتى القلة القليلة الغنية لا تتمتع بالامن المعنوي/الروحي و الحرية و السعادة. لقد تحايل علم الاقتصاد السياسي البرجوازي على المجتمعات الانسانية بالقول ان مصالح الافراد ليست متعارضة بالضرورة ، بل يمكن ان يوفق التبادل بينها و ان الأرباح الخاصة لا تتعارض و المصلحة العامة و ان كل ذلك ممكن عن طريق آلية ” اليد الخفية ” . ساهم هذا التضليل النظري في انتشار ثقافة الفردانية القائمة على المنافسة و المحاكاة و خلق أجيال تهيمن عليها الحماقة و العنف، فقد أصبح الإنسان يبحث عن جمع الثروة و لكن ليس لتحقيق رفاهيته بل لان الآخرين يسعون أيضا الى جمع الثروة. خلقت الحداثة الغربية اذا إنسانا يرغب في اي شيء يفتقر اليه فقط لأن شخصا اخر يمتلكه. انه زمن اليوتوبيا التي تتحول فيها الأشياء غير الضرورية الى ضروريات. هذا التعطش للثروة ليس رغبة حقيقية بل مجرد حب في التغلب على الآخرين. ان هذا السعي العدواني لجمع الثروة و القوة المادية يزحف على الأبعاد الجمالية و الروحية للحياة البشرية و يخلق ضررا نفسيا للذين لا يستطيعون مواكبة هذا الإيقاع” . فهل يدفع هذا الوضع عالمنا المغاربي/العربي الى العودة للبحث في أعماق هوياته عن أسلحة لمواجهة هذه الحداثة و بناء مساره النهضوي الخاص ؟ هل يستطيع الفكر اليساري لوحده، مواجهة هذا المد الحداثي التخريبي و هذه الحداثة المفترى عليها ؟ هل دمج المكونات الايديولوجية لمنطقتنا هو الكفيل بتجاوز تأخرنا التاريخي ؟ و هل هو سبيلنا للقطع مع ويلات استيرادنا لمنتجات الغرب المعرفية و التقنية ؟
المصدر : زمن الغضب ، بانكاج ميشرا