مذكرات

يوميات مغربي في البرازيل (8)

عبد الرحمن بلحداد(كاتب مغربي مقيم في لشبونة)

” و سرحان مُتّهم بالسكوت، و سرحان قاتل”. من قصيدة: “سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا” للشاعر الفلسطيني، محمود درويش.

الوطن المغربي هو وطن الحلم. بملامح أخرى يرسم كل منا لها تفاصيل تخصه وأخرى تجمعه بشعبه، وبهذه الملامح لوطن الحلم عبق كل ذكرى، حتى ولو كانت تعيسة مؤلمة. لكنه وطنمخنوق وممنوع عليه أن يعبر عن ذاته، ممنوع عليه أن يسير وأن يكون حرا في بلده، نُخفيه في قلوبنا وحتى في جيوبنا عن أعينهم البغيضة إلى أننحمله معنا في حقيبة السفر، التي بها ما بها من حب وصور: صورة لأمك وأخرى لأبيك وثالثة لإخوتك ولك معهم أخريات، كأهلك، من صورثم صُور مع رفاقك وأصدقائك وصُورلمدينتك، لمراكُشك الحمراء، فيك مسرتي ومضرتي،بكتبيتها وبساحة جامع الفناء ثم أخريات في هذه المدينة المغربية وتلك، في فاس والرباط والخميسات ومكناس وبني ملال و دمنات والبيضاء… وهذا الوطن المحمول في الحقيبة، هو ما فتشت عنه شرطة المطارفي مغربك كي ترميه بتُهمة أنه وطن، أي أنه حر وسيد ذاته، لكن هدية ما حملتها معك في الحقيبة،لم تفرط أنت فيها رغم كونها بخسة الثمن، فهي عزيزة عليك لكونها أتت من قلب محب، تلك الهدية هي بالضبط ما ألهاهم عن متابعة البحث واعتقال الوطن، إذ أخذوها منك عُنوة، فانزلق وطنك الحر من بين أصابعهم كي يسلم لك وتسلم أنت له. وها أنت ذا تعبر به الميحط الأطلسي كي يكون حرا طليقا وسيد ذاته مع وطن آخر حر في الجانب الآخر من المحيط، لكنه وطن حقيقي ضمك، إذ ضمك، إليه ثم عانق وطنك المغربي الُمهرب، وطن الحلم الذي يسكن قلوب ملايين منا كمغاربة…

بعد أن سافر آخري ذاك إلى المغربفي أول زيارة له، وذلك في شهر ماي من سنة 1999 كي يظل به لمدة شهر، إذا به يدفع غرامة لشركة الأسفار كي يرجع للبرازيل بعد قضاء أربعة عشر يوما فقط وقبل المدة المحجوزة في التذكرة، رجع للبرازيل سريعا سريعا خوفا من أن يُعتقل الوطن المغربي المحمول في الحقيبة… ولم يرجع آخري ذاك للمغرب في ثاني رحلة زيارة لبلده إلا بتاريخ 29 من شهر غشت من سنة 2005، وهو تاريخ مسجل في جوازه البرازيلي بعد أن حاز صاحبنا الجنسية البرازيلية سنة 2001… جواز حازه صاحبنا من الشرطة الفيدرالية البرازيلية في أقل من عشرين دقيقة في مركزها في برازيليا،بعد عشرين دقيقةمن تسليمه للوثائق وسحبه للجواز،مع الحق في شرب فنجان قهوة مجاني له ولغيره ثم المناداة عليه وعلى كل أجنبي وكل برازيلي هناك بـ: السيد فلان، في لطف واحترام، من طرف ضابط الشرطة ومرؤوسيه الذين رأوا في عيني آخري وطنا مغربيا مُهربا فاحتضنوه كوطن ثم جعلوه معانقا للوطن البرازيلي.

وفي جواز السفر المغربي وقبل حيازته للجنسية البرازيلية، حاز صاحبنا في سنة 1999 وحينما كان يعمل موظفا بالسفارةالقطرية على تأشيرتي الدخول لبلدان الإتحاد الأوربي، و واحدة من التأشيرتين كانت بمدة إقامة لثلاثة أشهر بأوربا مع دخول وخروج متكرر، لكن صاحبنا لم يسافر حينها إلى أوربا بسفر مغربي مُطارد ومُتهم من طرف من أصدروه قبل أن يتلقى نفس المعاملة في مطارات إسبانيا وغيرها… ولهذا قصة أخرى ليس هنا هو مجال الحديث عنها …

لا يتذكر صاحبنا التاريخ بالضبط، لكنه يعتقد أن يوم إلقاء القبض عليه لساعات في الرباط قد كان في يوم 30 يوليو من سنة 1997 أو بعده بيوم، وغالب الظن أنه يوم 30 من ذلك الشهر من تلك السنة، في يومها التعيس ذاك. ذهب صاحبنا في ذلك اليوم إلى سفارة اليونان كي يجرب مدى إمكانية حيازة تأشيرة للسفر إلى ذلك البلدو كان صاحبنا لابسا لباسا رياضيا وبحوزته جواز سفره المغربي، هذا بالإضافة إلى مبلغ مالي لا يتعدى في قيمته الأف دولار، مقسمة بين أوراق نقدية بعملة الدولار و أخرى بعملة المارك الألماني، موضوعة كلها بحزامه الجلدي المخبإ تحت السروال والذي يلفه جيب بسلسلة من أوله لآخره. و أمام السفارة اليونانية كان يوجد مكتب الإتصال الإسرائيلي. مر صاحبنا مرتين أمام سفارة اليونان، منتظرا أن تفتح أبوابها أو أن يخرج منها موظف ما، فإذا بحرس مكتب الإتصال الإسرايلي يهرولون نحو صاحبنا بعد أن استدعواالشرطة المغربية على وجه السرعة. وصلت (سطافيت) الشرطة وكان بها اثنين أو ثلاثة من الشرطة، لكن اثنين منهم خرجوا باتجاه صاحبنا وظل واحد من حرس مكتب الإتصال بالقرب مني ومن الشرطيين المغربيين، ليحدث هذا الحوار:

رجل الشرطة رقم 1: اعطني جواز سفرك!

صاحبنا: هذا ما أراد أن يقتلعه مني حارس مكتب الإتصال الإسرائيلي قبلك فلم أتركه ولن أمنحك إياه لأنه هو من يريده، ثم ما تهمتي؟!

رجل الشرطة رقم 1: (بعد شتم أمي) سوف أقتلعه منك بالقوة و رغما عنك

صاحبنا: أنا في بلدي وحرية المرور مكفولة ولن أسلم لمكتب الإتصال جوازي

رجع رجل الشرطة رقم 1 لسيارة الشرطة بعد أن تلقى اتصالا. وخلال تلك الدقائق اقترب مني رجل الشرطة رقم 2 لكي يهمس بالقرب مني: شوف أخويا، راك مغربي وفي بلدك وأنا متفق معك فيما قلته بألا تسلم جواز سفرك، لكنني لا أستطيع مساعدتك، للأسف.

بعد دقائق رجع رجل الشرطة رقم 1 واقتلع مني جواز السفر بقوة ثم سلمه لحارس مكتب الإتصال الإسرائيلي الذي أخذ عن جواز صاحبنا نسخة منه مُصورة  بمقر مكتب الإتصال… بعد ذلك، أخذتني سيارة الشرطة المغربية لمركز من مراكزها ثم أخذوا معلومات شخصية عني وبقيت هناك لحوالي  ست ساعات من التحقيقات، أغمي علي خلالها مرتين بسبب شدة الجوع، علما أنني كنت مصابا بمرض في المعدة وأنهم رفضوا شراء أكل لي من مالي الخاص، ولم يقوموا بذلك إل بعد أن سقطت أرضا في المرة الثانية… مر مغربي بالقرب مني، متألما لحالي، ويظن صاحبنا أن هذا المغربي صحفي أو أنه، على الأقل، قد يكون من نقل الخبر للقناة الثانية، أي دوزيم، التي أذااعت الخبر بشكل غير مكتمل، على ما قصه  على صاحبنا مقرب شاهد إذاعة الخبر، بعد ذلك… ببعد تلك الساعات الست، تم نقل صاحبنا إلى مركز الإستخبارات ليُجروا معه هناك تحقيقات إضافية خلال حوالي ثلاث ساعات، وشهادة للتاريخ، فلم يكن هناك أي من أنواع العنف، عداأن مجرد التحقيق مع صاحبنا، أي معي، بتهمة المرور أمام مكتب الإتصال الإسرائيلي، خاصة “في اليوم والساعة الخطإ” لهو العنف والتهمة بحد ذاتها في حق مغربي ببلده، مُضافا إليهما تُهمة أن تكون مغربيا… بعد ذلك، فهم صاحبنا أن عملية انتحارية قد وقعت في القدس وأن حركة حماس الفلسطينية قد تبنتها وأن هذا  ما جعل مكتب الإتصال في حالة رعب حتى في المغرب… ولم يمض أكثر من ثمانية عشر يوما، أي في السابع عشر من شهر غشت من  سنة 1997، حتى يسافر صاحبنا إلى البرازيل.  بقي صاحبنا، إذن، لثماني أو تسع ساعات من التحقيقات العبثية الظالمة لكي يهرب، بعد ذلك بالوطن المغربي المخبإ في الحقيقة إلى بلد آخر على الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي.

ومواصلة للحديث عما سبقت الإشارة إليه في الجزء السابع من اليوميات، فإن صاحبنا وفي يوم السابع عشر من شهر غشت من سنة 2003، كان قد ذهب إلى جامعة برازيليا ليدرس اللغة العربية في أول يوم له، وذلك عبر عقد مع الجامعة لمدة خمس سنوات. وتقع هذه الجامعة في الجناح الشمالي للمدينة وتُطل على نهر برازيليا. ما إن وصل صاحبنا إلى الجامعة حتى اكتشف أن لديه أربعة أقسام لكي يدرس في كل منها اللغة العربية. وكان كل قسم يتألف من طلاب وطالبات يصل عدد كل قسم منهم إلى 26 طالب وطالبة في كل موسم دراسي… كان لصاحبنا منهج دراسي بالعربية، مع ترجمات وتوضيحات بالبرتغالية وبالإسبانية منحه إياه المركز الثقافي السوري بمدينة ساو باولو، بحيث أعده هذا الأخير بأجزائه الثلاثة وكان يوزعه بالمجان على كل من كان يحتاجه في المدينة وكان الكتاب ذاته يستعمل في فنزويلا والتشيلي وكولوملبيا لأنه كانت به شروحات وترجمة بالبرتغالية وبالإسبانية… كان صاحبنا يدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها، أي للبرازيليين وبعضهم، بل قليلون منهم، من أصل عربي بينما أن بعضهم الآخر برازيليون غير متحدرين من أصل عربي ثم  أبناء وبنات ديبلوماسيين إيرانيين مسجلين في الجامعة وأرادوا تعلم اللغة العربية… استقبلت شعبة الآداب صاحبنا في اليوم ذاته ودلته على مكتبه بشعبة اللغات الأجنبية وكان بالمكتب أستاذ للغة الفارسية، أستاذ للغة اليونانية ثم أستاذة أمريكية كانت تدرس اللغة الإنجليزية… كنا نجلس معا في نفس المكتب خلال ساعات الإستراحة ونتبادل الحديث في أمور شتى… بعد مرور الشهر الأول أعد صاحبنا حفلة في بيته، مشتريا خروفين وحوالي عشر دجاجات وطلب من طباخ مغربي ماهريقيم في برازيليا، وكان حينها طباخا للسفير الإماراتي،  أن يأتي إلى بيت صاحبنا ويُعد أكلا مغربيا شهيا لكل الطلبة الذين منحتهم عنوان بيتي. كما استدعى صاحبنا لبيته راقصة برازيلية تُتقن الرقص الشرقي، وهي طالبة من طالباتي في ذلك الوقت مثلما استدعيت راقصة سورية في حوالي الرابع والعشرين من عمرها. طلب صاحبنا من كل طالب وطالبة ألا يأتيا بشيء آخر عدا زجاجات بيرة اشترى كل منا أعدادا تزيد بكثير عن حاجته. وكان بالبيت باحة كبيرة، فأكلنا ورقصنا واستمتعنا بالرقص الشرقي وتخلل ذلك مختارات موسيقية للمغني مارسيل خليفة، إذجعل صاحبنا طلبته يستمتعون بها في بيته، مثلما كان يفعل معهم في الجامعة واستدعيت لذلك أربعة من عرب برازيليا المقربين مني… حيث إن صاحبنا كان في الجامعة يستعمل مقتطفات من الأدب، خاصة من شعر جبران خليل جبرانوشعر نزار قبانيو شعر محمود درويشكي يحمس طلبته البرازيليين لتعلم اللغة العربية ثم كان يُترجم لهم الأشعار إلى اللغة البرتغالية…

منحت الجامعة لصاحبنا سكنا جامعيا شبه مجاني في حي الجامعة، بحيث كان يدفع مبلغا رمزيا عن السكن. وفي الحي الجامعي ذاته (وهو مفتوح وليس به أسوار وخصص للأساتذة ولطلبة الدكتوراه)كانت تسكن أسرة مغربية برازيلية، حيث إن الأب، له ألف رحمة وسلام هو أخ الزعيم الأمازيغي المغربيأحمد الدغيرني، له هو الآخر ألف رحمة وسلام. حيث إن زوجة الأول برازيلية و كانت قبل تقاعدها أستاذة تدرس مادة الإعلام والتواصل في الجامعةوكانت في بعض الأيام تُعد الكسكس المغربي الذي تُتقن إعداده ثم تدعو صاحبنا إلى بيتها لكي يأكله معها هي وابنيها. وأحد ابنيها صحفي مشهور في البرازيل، اسمه سامي الدغيرني، مثلما أنه كاتب ويُتقن جيدا الفرنسية والإنجليزية والفارسية واللهجة المغربية واللغة الأمازيغية، مثلما أنه تعلم اللغة العربية وكنت أمنحه دروسا إضافية في بيتهم.

في مدينة برازيليا، تعرف صاحبنا على الشاعر السوري سامي جبرين، مولود بسوريا في سنة 1926 وهو شاعر مشهور في بلده مثلما تعرف على أخيه نديم جبرين المولود، أيضا بسوريا. وقد جلس صاحبنا مع الأول في بعض المرات وقرأ كل منهما شعره للآخر، بينما أن الثاني، أي نديم جبرين وهو رجل أعمال في برازيليا وأصغر من أخيه عمرا وكان صاحبنا يتبادل كتبا فكرية وأدبية معه ثم كانا يتبادلان نقاشات فكرية وسياسية حول ما تناولته الكتب وحول الأحداث في بلداننا. ويتذكر صاحبنا أنه لم يحصر عمله في الجامعة على تعليم اللغة العربية، بل كان يتخلل الحصة نقاش في مواضيع سياسية من أجل توعية الطلبة بالقضية الفلسطينية وبالقضايا العربية ثم إشارات إلى جوانب في ثقافتنا المغربية وفي ثقافات البلدان الناطقة بالعربية… كان صاحبنا يدرس اللغة العربية في الجامعة مساء بينما كان يدرسها خلال كل ساعات الصباح لأبناء وبنات ديبلوماسيين عرب في مراحل تعليم مختلفة إلى غاية التعليم الثانوي، خاصة في مدرسة ليبية توجد داخل سفارة هذا البلد في برازيليا

وفي الجامعة كانت لصاحبنا علاقة زمالة وطيدة مع أستاذة إسبانية في حوالي الستين من عمرها تحب المغرب وكانت تعلم عن صاحبنا أمورا كثيرة حدثها بها ومنها أنه ترك المغرب بسبب ارتفاع وتيرة التعصب الديني… لكن ما إن حدثت العمليات الإرهابية في تفجيرات مترو الأنفاق في مدريد بتاريخ 11 مارس من سنة 2004 والتي تورط فيها مغاربة حتى أتت الأستاذة الإسبانية إلى مكتب صاحبنا غاضبة ومنفجرة في وجهه وهي تقول له: أنظر ما فعله أبناء بلدك بأبناء بلدي، إنهم إرهابيون وقتلة. تضامن معها صاحبنا وذكرها أن أفكاره وقيمه مخالفة تماما للإرهابيين، مثلما أوضح لها أن كونه مغربيا لا يجعل منه حاملا وزر أي إرهابي مجنون في العالم وأن الأمر نفسه ينسحب عليها إذ لا يمكنني تحميلها وزر ما فعلته بلدهابنا كمغاربة وخصوصا بالشمال المغربي. ولم ينس صاحبنا تذكير الأستاذة بأنه صرح لجريدة كوريو برازيليينسي في مقابلة أجرتها معه بموقفه وإدانته للعمليات الإرهابية وأنها مخالفة تماما لقيم المغاربة. لكن هذا لم يشف غليل الأستاذة الإسبانية والتي استمرت في قطع العلاقة مع صاحبنا في الجامعة لأسابيع إلى أن هدأت وغيرت من موقفها بعد ذلك….ويتذكر صاحبنا أنه خلال تلك الفترة أجرت مع صحف برازيلية ثم قناة برازيلية، أيضا، مقابلات حول الثقافة العربية.

وفي مكتب شعبة اللغات الأجنبية كانت وزارة التربية في إيران ترسل أستاذا مختلفا للغة الفارسية خلال كل سنتين، ولأن عمل صاحبنا استمر لخمس سنوات متتالية فإنه عاشر ثلاثة أساتذة إيرانيين مستقدمين من جامعات بلدهم. كان اثنان منهم علمانيان، بينما كان آخرهم متدين ومتحمس في الدفاع عن النظام الإيراني… ويتذكر صاحبنا أنه كا يدرس اللغة العربية، أيضا، لطلاب وطالبات إيرانيين، غالبيتهم أبناء ديبلوماسيين إيرانيين وأن طالبة إيرانية كانت لا تلبس الحجاب هددتها سفارة بلدها بقطع المنحة عنها إن لم تلبسه! مما حدا بالطالبة إلى أن تلبسه في الجامعة لا خارجها كيلا تعلم السفارة بالأمر فتقطع عنها منحتها.

خلف جامعةبرازيليا كانت مؤسسة الجامعة قد ركبت خيمة جد كبيرة وبعلو جد مرتفع وكانت مخصصة للطلبة ولكل شباب المدينة لكي يغنوان ويشربوا ويرقصوا. وكان صاحبنا وأساتذة آخرين يذهبون إلى تلك الحفلات من أجل الرقص والإستمتاع بالموسيقى وتناول ما يُعرض من مأكولات وشرب زجاجات بيرة مثلجة داخل وخارج الخيمة وبمرافق أخرى بالمكان ذاتخ مخصصة لذلك خلال مساءات وليالي الجمعة والسبت، على وجه الخصوص…

وخلال المدة ذاتها عمل صاحبنا كمترجم للرئيس البرازيلي لويز إناسيو لولا دا سيلفا مثلما كان آخري يقوم بالترجمة لوزارة العلاقات الخارجية البرازيلية والتي سافر مع وفدها، بعد ذلك، إلى السودان خلال مهمة رسمية دامت عشرين يوما تلاها وصول الوفد السوداني الرسمي للبرازيل وقيام صاحبنا بالترجمة خلال ثلاثة أسابيعفي تلك  الزيارة…

مدينة برازيليا

في العاصمة الإتحادية، والتي تعتبر مدينة برازيليا عاصمة لها، توجد مطاعم – بارات عربية كثيرة تقدم وجبات الأكل السوري واللبناني، والذي، أي أطباق الأكل العربي، دخلت بيوت ومطاعم كل المدن والأحياء البرازيلية. ومن أهم المطاعم هناك مطعم المنارة وهو مملوك لأسرة لبنانية مسيحية، مطعم بيروت، مطعم ليبانوس، مطعم حبيبس، وهي شبكة مطاعم كبيرة تقدم اطباق الأكل اللبناني ـ السوري في كل المدن البرازيلية وتوجد منه وحدات في أحياء كثيرة من كل مدينة، هذا بالإضافة إلى مطاعم عربية أخرى في المدينة، والتي إنها مطاعم وبارات في ذات الآن…

وكان مطعم المنارة والمملوك لمثقف لبناني، اسمه جورج كان صديقا لصاحبنا قبل أن يرحل هو للهناك، ألف رحمة وسلام عليه بسبب مرض ألم به، في هذا المطعم الكبير كان يحضر عدد كبير من عرب برازيليا بينهم ديبلوماسيون وسفراء وعدد كبير من البرازيليين وبهذا المطعمكانت تقدم النرجيلة بالإضافة للمشروبات الروحية وأطباق الأكل اللبناني الشهية. ويتذكر صاحبنا في مرة من المرات أن ديبلوماسيا خليجيا في جلسة فيها عرب آخرون، قال لصاحبنا ذلك الديبلوماسي الخليجي أن فتيات المغرب جميلات على ما فهمه صاحبنا كتلميح  تعريضي وغير مؤدب من الديبلوماسي الخليجي ضد المرأة المغربية خاصة أنه سبق أن قاله لمغربي آخر، مما حدا بصاحبنا إلى أن يقول لذلك الخليجي: لكن نساء بلدك أجمل. بعدها أراد الخليجي تغيير الموضوع لأنه لم يعجبه رد صاحبنا فطلب من آخري إلقاء قصيدة عربية لعلمه بسهولة حفظي للشعر، فإذا بي أقرأ عليه قصيدة نزار قباني(الحب والبترول) والتي مما ورد بها من أبيات ما يلي:

أيا متشقق القدمين .. يا عبد انفعالاتك

ويا من صارت الزوجات بعضا من هواياتك

(….)

أيا من فرخ الإقطاع في ذرات ذراتك

ويا من تخجل الصحراء حتى من مناداتك

متى تفهم؟

لك البترول .. فاعصره على قدمي خليلاتك

(….)”

بعد انتهاء صاحبنا من قراءة القصيدة القبانية الرائعة، ضحك من كانوا معنا من العرب ومنهم صاحب المطعم ـ البار، ثم صار ذلك الخليجي محترما لصاحبنا منذ ذلك اليوم حيث بقينا ننلتقي هناك بعد ذلك…

وقبل انتهاء عقد صاحبنا مع الجامعة، تعاقدت السفارة السورية معه كمترجم رسمي للسفارة، ظل صاحبنا فيه لثلاثة عشر شهرا لينتقل بعد ذلك لمدينة ساو باولو، حيث درس وأكمل دراسته في الماجستير في جامعة ساو باولو، وذلك في اللغة والأدب العربيين باللغة البرتغالية، ومن المواد التي كان يدرسها هي مادة الإستشراق ومادة الفكروالفلسفة العربيين، وكلها وغيرها كانت تُدرس باللغة البرتغالية. وتم هذا فيما بين سنتي 2009 و سنة 2012، وهي الفترة التي قام فيها قسم الأدب العربي بجامعة ساو باولو بأنشطة ثقافية كثيرة، جلها لا زال مستمرا، مثل عرض أفلام سينمائية عربية مع دبلجتها ثم الإستماع إلى نقاد سينمائيين. مثلما أن الجامعة وفي الفترة ذاتها استقدمت الشاعر السوري أدونيس والذي ألقى قصائده في أشهر وأكبر مكتبة برازيلية والموجودة بجادة باوليستا واسمها ليفراريا كولتورا. مثلما أنه في الفترة ذاتها عملت الجامعة على استقدام الكاتب اللبناني ـ الفرنسي أمين معلوف وقد حظر صاحبنا إلى كل هذه الأنشطة في فضاءات ثقافية بمدينة ساو باولو.

عبد الرحمن بلحداد

  يُتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى