ثقافة

القيمة المعنوية لتراث وتاريخ الحضارات الإنسانية

إ.م بنصالح.

لا حضارة ولا تاريخ لأمة بدون تراثثقافي طبيعي وعالمي، ذلك أن التراث هو ترواث موروثة عن الأسلافمن عادات وتقاليد ومعالم ومواقع وآداب وعلوم وفنون، وهي تجسيد لبنية اجتماعية وثقافية وحضارية واقتصادية عاشها الأجداد والأسلاف في الماضي،ولا يمكن استبدال كل هاته الموروتاث بأي شيء آخر، فهي صلة وصل مادية ومعنوية تربط المعاصرين بأسلافهم، وهي حضارة الأمة وشرفها وعراقتها،لما تزخر به من تنوع وتعدد وتفرد في الوقت ذاته،باعتبارها تحمل قيما إنسانية عريقة امتدت من جيل لجيل.

وقد ظهر مفهوم التراث العالمي ليرسخ بأن لهذه الموروتاث الثقافية قيمة إنسانية عالمية واستثنائية تنتمي للبشرية جمعاء، بصرف النظر عن أماكن وجودها على ظهر البسيطة، ولعل هذا ما يميز مدلول المفهوم أو الاصطلاح اللغوي للتراث العالمي، على اعتبار أنه يشمل العالم بأسره، وأن التراث العالميهو بمثابة ملكية مشتركةبين جميع شعوب وأمم العالم.

لا يمكن الحديث عن التراث العالمي دونما التطرق إلى أصنافه بحيث يقسم التراث العالمي إلى أربعة أصناف أو أنواع كل واحدة منها تحمل خصائصعدة، نوردها على النحو التالي:

التراث الطبيعي: يعنى هذا الأخير بالمواقع والمعالم الطبيعية القديمة، والأشكال الفيزيائية والجيولوجية المتوارثة قدم الزمان، ومن بين خصائصه أنه يضم مساكن طبيعية ومظاهر بيولوجية شريطة تميزها بالتقادم.

التراث الثقافي: يشمل هذا الصنف من التراث كل ما تعلق بالآثار المعمارية، والمنحوتات والمنقوشات، والصور والكهوف، وجميعها يجب أن تتميز بخاصية ذات قيمة فريدة ونادرة، إن التراث الثقافي إذاهو توليف أصلي لمجموعة من الروافد الثقافية والحضارية التي تتمتع بأسلوب معينيتجسد في اللغة والتقاليد والفنون والفضاءات والمهارات، وهي نتاج تاريخي له مسار معين.

-التراث الديني: يندرج داخل هذا النوع التراث، جميع الأماكن الدينية المقدسة التي تحمل في مجمل خصائصها أهمية روحانية عظمى للشعوب والمجتمعات، لما لها من مكانة ودور بارز في التقارب وترسيخ الحوار بين مختلفالأديان والمعتقداتوالشرائع والحضارات.

-التراث اللغوي:يُظهر هذا التراث مدى قيمة ومكانة الهوية واللغات والتدريس في خلق وترسيخ التنمية والحوار والتفاعل بين مختلف الأمم، من خلال حماية اللغات وصونها من كل المشوبات التي تهدد بطمسها وانقراضها.

تشترك جميع هذه الأصناف في خاصية مهمة وأساسية، مفادها اتسامجل هذه الموروتاث، بالقيمة العالمية والاستثنائية التي ستميزها عن غيرها من المصنفات بفعل تفردها على كافة الأصعدة وبمختلف المستويات.

وعلى ضوء هذه الإرهاصات، جاءت رؤية اليونسكو سنة 1972م، والقاضية بإقرار اتفاقية أو معاهدة دولية تنص على حماية التراث العالمي الإنساني، واتخاد يوم الثامن عشر من أبريل “اليوم العالمي للتراث”.

استندت هذه الاتفاقية في سطورها على مجموعة من الضوابط والمعايير، ذلك أنها جاءت جراءرصد العديد من الممارسات المشينة التي يتعرض لها التراث والذي يعتبر تهديدا واضحا وملموسا له، ولعل من بين هذه الممارسات، العبث بالمواقع الأثرية بل وتدميرها في بعض الأحيان، ثم سوء تدبير المرافق المعنية المنوط لها وضع أساليب تختص بالتخطيط العمراني وأنظمة المباني التراثية والعمرانية، فضلا عن غياب الخطط والآليات وتجاهل قيمة الموروتاث المادية والمعنوية.

وتأسيسا على هذه الممارسات التي تمس بل وتضرب في عمقالقيمة والعراقة التي يزخر بها ميراث الماضي، أقرت اليونسكوفي غمرة هذه الأنباء بإبرام اتفاقية دولية ترومإلزام المجتمع الدولي على حماية وصونالمواقع والممتلكات الأثرية والثقافية ذات الخاصية الاستثنائية العالمية، وهو ما أجمعت عليه 190دولة نوهت بهذا القرار الدولي الحكيم، وانضمت إلى هذه الاتفاقية حتى تصبح جزءا لا يتجزأ من مجتمع دولي تنبع قواه من دائرة سديدة الرأي، وتملك هدفا واحدا مشتركا، يتجلى في تحديد أهم مواقع التراث العالمي، الطبيعي والثقافي، في مختلف بقاع المعمورللمحافظة عليهمن التلف والاندثار. وفي حقيقة الأمر يمكن اعتبار فكرة الانضمام لهذه الدائرة الدولية فكرة في حد ذاتها تمنح تقديرا ليس فقط للموروتاث بل تقديرا لحضارة الدولة وما تتمتع به من تراث، ناهيك عن الحماية الدولية التي يصبح ذلك التراث مشمولا بها،لأنه أضحى تراثا ذا أهمية تتجاوز الحدود الوطنية، ومسؤولية إدارته تتعدى دلالاته الوطنية حتى لو بقيت المسؤولية الأساسية عنه تقع على عاتق الدولة التي يوجد داخل ترابها.وفي هذا السياق يعتبر التراث العالمي تراثا غير جامدا لأنهيتأثر بمحيطه المباشر وغير المباشر أي المحلي والدولي بمختلف اشكال وتمظهرات هذا المحيط وعبر مختلف الوسائط البصريةالتي تساهم في التعريف به ومنحه إشعاعا محليا ودوليا، ونخص بالذكر هنا وسائل الإعلام السمعي والبصري والرقمي أيضا،لذلك وجب التعامل مع كل هذه الوسائط والمعطيات بوعي خاص وآلية ملائمة،في سبيل الحفاظ على هذا الموروث وحمايته من العبث.إذلا جدال أن هذا التراث زاخربالتنوع والغنى، نظرا لتعدد روافدهبفعل امتزاج الجماعات الإنسانية وهو ما يقتضي الحفاظ عليه بأي شكل من الأشكال.

وجدير بالذكر أن التراث بكل أشكاله وأنماطه، يلعب دور النسيج المفصلي في إرساء الهوية الجماعية للأفراد والجماعات،كما يعمل على تحريك المسيرة التنموية للأمم والشعوب من خلال رمزيته وعلاماتيته، هذا وتكمن أهميته في تصوراته الذهنية وتجلياته السوسيولوجية والثقافية التي آنتقلت من جيل لأخر،بحيث يهم هذا النقل لميراث الماضي الأقليات مثلما يهم الكثل الإجتماعية الكبيرة، ويهم البلدان النامية مثلما يهم البلدان المتقدمة.

إن المتأمل لفكرة إقرار اتفاقية التراث العالميالدولية يلاحظ أنها مؤطرة بنظرة شمولية لإعطاء ملامح متميزة لكل أمة ولتبيان الوجه الحقيقي لحضارة تلك الأمة،ومن جهة أخرى فالتراث هو اللبنة الأساسية في فهم العقليات والمجتمعات،كما أنه يساعد في فهم واستيعاب مختلف السلوكات والعادات،انطلاقا من الإنفتاح عن الاخر والبحث عن طرق وأنماط عيشه،لخلق وتثمين حوار بين مختلف الثقافات والحضارات، كشكل من أشكال المد المعرفي والسياحي، هذا الأخير الذي ينتعش من خلال تجارب سوسيوثقافية تتقعد بمعايشته والتعرف عن قرب على منجزه البنائي والجمالي النادر والفريد، وذلك في فضاء وزمان مغايرين لعالم استبعاثه وتكوينه الأصلي. ويمثل هذا المنحنى لتوظيف التراث كمنفعة عامة، شكلا من أشكال التدبير الاقتصادي السياحي، نظرا لأهمية التراث في استقطاب السياح وضمان سيرورة نمو التلاقح بين الشعوب،نموا يسعىلترسيخ آثار الموروتاث من الناحية السوسيوثقافية، التعريف بالهوية الحضارية والعمق التاريخي والمعرفي للذات والفضاء، والالتحام بالمكتسب، وهذا يقتضي اعتبار التراث ثقافةومعطى حضاري وتاريخي وفني يتجاوز الفرد ليتجذر في عمق روح الجماعة الانسانية ومعالم نموها وتطورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى