مذكرات

يوسف الطالبي : محكيات الطاكسي في زمن الكوفيد (1)

يوسف الطالبي

إنه يوم الأحد، المدينة لازالت مستسلمة لخمول الصباح، حركة المرور خفيفة، والمارة قليلون، يفضل سائقو الطاكسيات الالتزام بمحطاتهم توفيرا للجهد والبنزين على خلاف أيام الاسبوع حيث يستحسن التجول بحثا عن الزبناء. اتخذ السائق من زاوية تقاطع شارعي عبد الكريم الخطابي والزرقطوني موقفا له لعل روافد التقاطع الخمسة تجود عليه بزبون، محطة وقوف الطاكسيات الواقعة أمام سينما كوليزي فاضت حتى تجاوزت سعتها من السيارات، وقوفه المخالف لقانون السير يتطلب منه أن يبقى يقظا منتبها حتى لا يباغته رجل شرطة فيصير وجبة فطور، إيقاع العمل ومحدودية العائد خلال زمن كورونا لا يتحملان أداء غرامة رسمية أو غير رسمية، يوم الأحد صباحا يكون إيجابيا إذا ما استطاع السائق الوفاء بواجب كراء السيارة وثمن ما أحرقت من وقود، لا يطمع في أن يبقي لنفسه شيئا لقاء عمله، مجهود يوم الأحد صباحا لا يطلب مقابله أجرا، هو بمثابة ضريبة يؤديها السائقون لإرضاء مشغليهم حتى لا يطردونهم من العمل.

في محطات الوقوف، ولتسجية وقت الانتظار، يتسلى السائقون بالسباحة في عوالم الانترنيت على هواتفهم الذكية، أغلبهم يستهلك الفيديوات الساخرة أو تلك التي تلبي فضولهم في متابعة حكايات من حياة الآخرين، منتوج “شوف تيفي” يتربع على قائمة مصادر الاطلاع، تنال أخبار كرة القدم ونجومها حيزا مهما من اهتمامهم، عدد غير يسير منهم تستهويه متابعة فيديوهات “شطحات الشيوخ” وفتاويهم الغرائبية.

رغم إدمانه هو أيضا على الفيسبوك، فقد فضل السائق المتوقف في مكان ممنوع أن يترك هاتفه في جيب باب السيارة المحادي له، وأن يبقى متابعا لحركة للناس القلائل الذين ترمي بهم الروافد الخمسة للمدارة، فقد يخطف طاكسي عابر زبونا يمكن أن يحظى به، ثم إن انتباهه مع سيارات ودراجات الشرطة لا يجب أن يفتر، عليه لهذا الغرض أن يبقي مجاله البصري تحت السيطرة مستعينا بالمرايا الثلاث للسيارة لتجنب مفاجأة من الخلف.

تقدم نحو الطاكسي رجل قدر السائق أن يكون في السنوات الأخيرة من عقده الرابع أو لعله أتمه.

– السلام عليكم، أخويا عندي خمسة الدراهم… واش تديني بها لباب دكالة؟

رغم أن الثمن الأدنى لرحلة بالطاكسي هو سبع دراهم وإن حسب العداد  أقل من ذلك، فإن السائق قبل عرض الرجل، لقد أطال الانتظار هنا، وربما يستحسن أن يغير المكان، حينما يطول انتظار الصيادين الذين يرمون صناراتهم في مكان ما دون أن تعلق بها سمكة، يغيرون أماكنهم، ثم إن حكمة رائجة بين محترفي مقود العربات تقضي أن العجلة اخترعت لتدور لا لأن تتوقف، “دور ألبنو دور الرزق ضامنو ربي والخوف علاش”، وهي تحريف حكيم لعبارة ” دور ألبنو دور الموت كاينة والخوف علاش” المترجمة لطيش في التعامل مع أخطار الطريق.

قبل السائق بالعرض القاصر للرجل، ففي باب دكالة، حيث محطة الحافلات والطاكسيات الكبيرة الرابطة بين مراكش والنواحي يقوى احتمال الظفر بزبناء.

تحركت السيارة بعد أن استوى الزبون في المقعد المجاور للسائق، ثم انطلق دور آخر من أدوار سائق الطاكسي، إنه دور كيس يتقيأ في الناس ما تضيق به صدورهم من أنواء، كيس عرف استعمالا فائضا في زمن كورونا هذا حتى لم يعد يحتمل وانخرق قعره، لكن الناس لم يكثرتوا لذلك وظلوا يبثونه شكاويهم.

زوجة في طريقها لمحكمة قضاء الأسرة، أو عامل في فندق أوقف عن العمل وانقطعت به سبل الرزق، بائعة هوى أصبحت مكرهة على عرض خدماتها بأجر قليل ودون أن تحظى بالدلال الذي تأمله، عاملة في حمام لم تعد ترتاده زبوناتها بسبب الخوف الذي تملكهن بعد تحذيرات الدولة من مخاطر الإصابة بالفيروس عقب مخالطة الناس، مريض انغلقت في وجهه أبواب الولوج لخدمات العلاج.

استسلم الزبون للحكي، من جيب سترته، انطلق صوت النشيد الوطني كما تعزفه الفرقة النحاسية خلال المراسيم الملكية، شخص ما يطلبه على الهاتف، أخرج الهاتف وتطلع إلى شاشته ليتبين هوية المتصل، لاحت صورة الملك محمد السادس التي يثبتها كصورة خلفية، الملك في بدلته الأنيقة ذات اللون الرمادي الخفيف، صورة تعود لبداية توليه الحكم أو قبلها بقليل، خلفه يقف حارسه الشخصي الشهير ذو الملامح الشقراء.

كان حسن قبل الوباء يزاول مهنة النقل السياحي، يملك سيارة من ماركة كورية جنوبية تتسع لسبعة ركاب بالإضافة إلى السائق، يتكفل بتأمين تحركات السياح داخل حدود المدينة، وقد ينقلهم في رحلات تدوم ليوم كامل إلى جبال الأطلس أو إلى مدينة الصويرة، كما قد يرافقهم لأسبوع كامل يتجهون من مراكش الى كثبان مرزوكة ومنها الى فاس، ثم شفشاون قبل أن يعودوا سالكين الطريق الساحلية لزيارة المدن على ساحل الأطلسي، كان ما يتقاضاه منهم مباشرة أو من وكالات الاسفار التي توكلهم إليه، وما يتحصل عليه من عمولات من مشترياتهم تضمن له عائدا محترما يؤمن له ولأسرته حياة متوسطة المستوى، هنا في المدينة أو على طرقات جولاته السياحية كان يقترح على زبنائه محلات لمنتوجات الصناعة التقليدية أو وحدات لتحضير منتجات مجالية كالأركان أو الورد البلدي أو الصبار… وما يستخلص تقليديا من هذه المواد لاستعمالات الطبخ والعلاج والتجميل، كما يقوم بالدعاية لمؤسسات للإيواء السياحي و مطاعم، يدل على حمامات التدليك، كل ذلك مقابل أجر في شكل عمولة تتناسب مع مبلغ الفاتورة التي يؤديها السياح عند مغادرتهم.

في زمن كورونا تبخر كل شيء، صار كحلم استيقظ منه، توقف نشاطه تماما، السيارة مركونة قرب البيت بعد العجز عن أداء مستحقات التأمين، السياحة هي القطاع الأكثر تضررا، الضرر اللاحق بالقطاعات مختلف من قطاع إلى آخر، قطاعات تقلصت عائداتها نسبيا، لكن قطاع السياحة دخل ثلاجات الموتى في انتظار ترتيب إجراءات الدفن. في وقت حمل الوباء أرباحا قياسية إلى أرصدة الشركات العاملة في قطاعات الصحة بمختلف تفرعاتها والأبناك وتجار التجهيزات الالكترونية بعد تطور المعاملات عن بعد.

لم يتوصل الزبون حسن من الدعم الذي خصصته الدولة للناس مساعدة لهم على مواجهة الأزمة إلا بمبلغ ثمانمائة درهم لثلاث مرات، فهو غير مسجل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، و لا يتوفر على بطاقة “راميد” فأدرج ضمن خانة الفئة الثالثة، فئة المشتغلين في القطاع غير المهيكل، ثمانمائة درهم لم تكن كافية حتى لتأمين سد رمقه ورمق أسرته، لولا عمل زوجته في إحدى الصيدليات بأقل من الحد الأدنى للأجور لانفرط عقد الأسرة، أقساط قرضين بنكيين كان قد استفاد منهما لتمويل شراء السيارة وشقة في السكن الاقتصادي، تتراكم بما يستتبعه ذلك من فوائد وغرامات في ذمته منذ سنة، طرق باب إخوانه عله يحصل على مساعدة منهم، لكنهم لا يردون حتى على رسائله على الواتساب، الأكبر فيهم والذي كان قد تحايل عليه ليسرق نصيبه في بيت خلفه أبوهم بعد وفاته، اعتذر بضيق ذات اليد، دافنا في كفه ورقة من فئة عشرين درهما.

تستقبل باب الدكالة الطاكسي، كأن الساحة على شساعتها لا تتسع لبؤس رجل واحد، تنتهي الرحلة، لكن مآسي الناس تتواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى