ثقافة

هاروكي موراكامي وفقدان الذاكرة

ترجمة: عبد الكريم أوشاشا

تعبّر الأعمال الروائية التي كتبها هاروكي موراكامي Haruki Murakami عن خيبة الأمل التي سادت بلاده اليابان خلال الثمانينيات، في امتداد لما بعد الحداثة الغربية.

لقد تمّ ترجمة أعماله بكل اللغات وفي كل مكان، من أوروبا إلى كوريا، ومن البرازيل إلى روسيا.
كيف إذن نفسر هذا النجاح الكوني الباهر؟

نشر الروائي أعماله في نفس الفترة التي يسميها الأمريكيون ب French theory ، أي النظرية الفرنسية؛ ويعرّفها اليابانيون ب ” ما بعد الحداثة ” والتي عممت تأثيرها عالميا. كيف إذن وصل هذا التفكير إلى اليابان ؟

في بداية الثمانينيات قامت “أفكار اليوم ” وهي مجلة تأسست سنة 1973 بنشر كتابات رولان بارت ولاكان وجيل دولوز وغيرهم… جامعيون مشهورون يعارضون بما بعد الحداثة أشكال مختلفة من الماركسية. مجلات ومثقفون إعلاميون يروجون للمفهوم الجديد…

إن هذا الوضع انعكس في عملين روائيين لموراكامي:
نهاية الأزمنة 1985،
وجنوب الحدود غرب الشمس 1992…

لكن النجاح المذهل لرواية كافكا على الشاطئ 2002 سببت اعتراضا وقلقا كبيرا لأحد أشهر النقاد في اليابان وهو الناقد Yôichi Komori؛ ففي إحدى مقالاته التي كتبها سنة 2006. يتهم فيها هاروكي بخيانة الأدب بكتابة رواية تقضي على الوسائل التعبيرية للرواية لخلق ارتياح فاسد وغير سليم لقرائه الذين صدموا بعنف العالم بعد أحداث 11 شتنبر 2001 .

وقد كتب كوموري نقده هذا بناء على تحليل عميق للعلاقة بين كافكا على الشاطئ والحكايات الأدبية التي يستشهد بها السارد كافكا تامورا (Kafka Tamura)؛ مع أن هذه الحكايات تستند على إقامة العلاقات السببية، فإن رواية موراكامي دمّرت هذا المنطق السردي :

فالأحداث التي يتم سردها تتابع بدون ضرورة لأن أسبابها خفية وسخيفة؛ وكافكا تامورا عاجز على أن يعطي معنى لتجربته من خلال التذكر. فحكايته مجزأة وشخصيته منفصمة ولا يمكنه أن يجد كلمات لينتقد أو يتمرد. فهذا الشلل الفكري يمتد من الراوي ليلامس القارئ.

في هذه الحالة، إن رواية كافكا على الشاطئ، حسب الناقد، تصبح حكاية قاتلة للذاكرة ، التي تعيد انتاج ميكانيزمات آلة الإعدام في مستعمرة العقاب لفرانز كافكا.

الشخصية النسائية الرئيسة مدام سايكي يحكم عليها بالإعدام لأنها لم تنس ماضيها، ويتم حرق مخطوطات ذكرياتها من قبل ناكاتا، وهو شخصية بدون ذاكرة، لم يعد يتذكر أي شيء عن الحرب وعن ما قبل الحرب. أما معلمة ناكاتا فهي تلوم نفسها لأنها تسببت في وفاة زوجها في معركة وهي تصنع حلما إيروتيكيا:

إن هذا المنطق العبثي والمناهض للنساء يخفي مسؤولية جنرالات الجيش الامبراطوري في إدارتهم للحرب حتى عام 1945.

في نهاية المطاف، إذا كانت أسطورة أوديب أو حكايات ألف ليلة وليلة تشرح لنا أسباب العنف لحظره أو للتغلب عليه، فإن رواية كافكا على الشاطئ تعطينا انطباعا بأنه ليس فقط غير مفهوم ولكنه حتمي لامفر منه .

بالنسبة ل Yôichi Komori:

إن الشلل الفكري ونسيان التاريخ والاستسلام للعنف، يمكن لكل هذا أن يقدم راحة خنوعة، لكنه من وجهة النظر النقدية، فإنه يشكل قبل كل شيء خيانة للأدب وللدور الذي يجب أن يلعبه في نحت الكلمات وتقديمها للقارئ ليفهم العالم ويفهم نفسه بنفسه .

سيذهب الناقد كوموري أبعد من ذلك، عندما سيعقد الصلة بين موراكامي وبين القوميين اليابانيين الذين أطلقوا حركة مراجعة التاريخ التي يرمون من خلالها استئصال ذاكرة جرائم حرب اليابان، انطلاقا من العبودية الجنسية داخل الجيش من المقررات والكتب المدرسية…

وكمصل مضاد ينصحنا هذا الناقد بقراءة اثنين من الروائيين المعاصرين هما:
Gen’ichirô Takahashi و Tomoyuki Hoshino

ترجمة عبد الكريم أوشاشا عن:

ماغازين ليتيرير: ملف خاص عن الأدب الياباني من سوسيكي إلى موراكامي مرورا بكواباتا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى