عام على رحيل صانع أول كمبيوتر عربي
استحق الشارخ أن تنقش صوره على جداريات مجامع اللغة العربية ومراكز إنتاج التكنولوجيا والتطبيقات العربية

يصادف هذه الأيام مرور عام على رحيل صانع الحلم العربي محمد الشارخ الذي لو قدر له الظهور في مجتمع غير مجتمعه لنقشت صورته على طوابع البريد والمصكوكات النقدية ولأطلق اسمه على مرافق عدة في عواصم عربية.. لكن ظهوره – للأسف – كان في عالم عربي لا يكترث كثيرًا بمبدعيه، ولا ينزلهم المنزلة التي يستحقونها إلا في ما ندر، وهو ما جعل اسمه وصفته مجهولين لدى طائفة واسعة ممن يستخدمون ثمار مشروعه على مدار الساعة، لكن دون أن يسألوا أنفسهم أسئلة عمن حقق هذه النقلة النوعية الحضارية وضيق الفجوة الرقمية بين المعلوماتية العربية وقرينتها الدولية..

رجل عصامي استطاع تخطي الكثير من الحواجز والعقبات في تكوين نفسه، وفي إنشاء وتكوين أكبر شركة لبرامج الكمبيوتر (صخر العالمية)وسبق أنكرمه المجتمع الدولي في أكبر محفل عالمي، في القمة العالمية للمعلومات، كما كرمته المملكة العربية السعودية بمنحه جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام التي تعد بمثابة “نوبل العرب” ومنحته دولته الكويت جائزتها التقديرية.. وإن كان اسم الراحل الكبير يبقى استحقاقه من التكريم أكبر وأشمل بأن نجد اسمه يزين العديد من الشوارع في كل العواصم العربية وأن تنقش صورته على جداريات مباني مجامع اللغة العربية ومراكز إنتاج التكنولوجيا العربية.
استحق الشارخ أن تنقش صوره على جداريات مجامع اللغة العربية ومراكز إنتاج التكنولوجيا والتطبيقات العربية
إنه رجل الأعمال الكويتي محمد بن عبدالرحمن الشارخ الذي نعده قصة من قصص النجاح وريادة الأعمال في الخليج والعالم العربي، كيف لا وهو صانع الحلم العربي وهو من أدخل اللغة العربية في الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات لأول مرة في التاريخ، وذلك في الثمانينيات عندما كان العرب حديثي العهد بهذه التكنولوجيا، كما أنهمهووس بالمشاريع الثقافية واللغوية الكبيرة رغم علمه بأنها مشاريع غير مدرة للأرباح.

تراث متصل ومتزايد
اليوم بعد مرور عام على رحيل الكبير محمد الشارخ وبعد أن انقضى نحو 37 عامًا علىبداية التجربة الحضارية الأهم في تاريخ العرب المعاصر بالعمل في جعل الكمبيوتر ذو لسان عربي.. هي مناسبة تدفعنا اليوم للتساؤل .. ماذا خلف الراحل من تراث حضاري أصيل؟
اليوم نلتفت للناس في كافة تفاصيل حياتهم وفي قطاع الأعمال والبحث العلمي والتعليم والصحة وغيرها فنجد الإنسان العربي يجلس يكتب ويبحث ويترجم ويضيف ويصحح ويتصفح بالعربية، دون أن يستحضر ذهنه تلك الشخصيةالتي طوّعت لغويا ذلك الاختراع الغربي المدهش المتمثل في الكمبيوتر، لصالح بني أمته.
صححلي وشكلي أحدث تطبيقات صخر تعكس التزامها بالبحث والابتكار
2 مليون صفحة من المقالات الأدبية والثقافية متاحة مجانًا على الإنترنتللشارخ فضل في إتاحة الفرصة للإنسان العربي كي يكتب “كمبيوتريا” ويبحث ويترجم ويضيف ويصحح ويتصفح بالعربية
صححلي وشكلي
اليوم نجد أن صخر تواصل مسيرتها ورسالتها وتنطلق إلى آفاق متجددة وتصدر العديد من التطبيقات مثل “صححليو شكلي” الذي يضم اليوم نحو نصف مليون مستفيد ويتم في الوقت الحالي تطويره بما يتناسب مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وذلك كجزء من التزام صخر بالبحث والابتكار.. ويعتبر مصحح صخر “صححلي” أكثر من مجرد تقدم تكنولوجي، فهو يعكس رؤية الشارخ وأبنائه من أجل تعزيز ملاءمة التراث اللغوي للغة العربية مع الاحتياجات الرقمية الحديثة، وحينما تقدم صخر الشارخ هذا المصحح فإنها لا تتوقف عند الابتكار فقط بل تعزز من ثراء اللغة العربية.
الأرشيف الأدبي
ومن جهة أخرى نجد أن أرشيف الشارخ للمجلات الثقافية والأدبية العربية” يزداد – يومًا بعد آخر – اتساعًا وانتشارًا ومحتوى، حيث يقود ابن الراحل الكبير (فهد الشارخ) عمل متصللتطوير مبادرة والده، فيحول الأرشيف إلى الصيغة النصية، مع إضافة أنواع جديدة من البحث مثل: البحث بالكلمات المفتاحية، والبحث الموضوعي. والغرض من تحويل الأرشيف إلى الصيغة النصية الإفادة منه في بناء نموذج لغوي توليدي لدعم أبحاث الذكاء الاصطناعي في اللغة العربية، هذا النموذج يتكون من 700 مليون كلمة موسمة صرفيًا ونحويًا.
وكانت فكرة هذا الأرشيف بدأت خلال جلسة جمعت الراحل محمد الشارخ مع بعض الكتاب والمثقفين عام 2007 تحدثوا خلالها عن الصعوبات التي يواجهونها في العثور على المقالات الأدبية والثقافية في المجلات القديمة فجاءت فكرته بأن يقوم بتجميع المجلات والدوريات الأدبية والثقافية من مختلف المصادر ومن الشخصيات التي يقتنونها في شتى أنحاء العالم ومن ثم نشرها على شبكة الإنترنت ويكون الموقع متاح لجميع المستخدمين بعد فهرستها ووضعها بطريقة سهلة.
وسرعان ما سارع الشارخ في تنفيذ فكرتهفعين لذلك عددًا كبيرًا من العاملين في 19 دولة عربية وغير عربية لجمع ونسخ هذه المجلات، بالإضافة إلى فريق فني عال المستوى، ويحتوي هذا الأرشيف حاليًا على274 مجلة تتضمن نحو16ألف عدد، تضم نحو 330 ألف مقالًا لعدد يقارب من 53 ألف كاتبًا، وبعدد صفحات 2 مليون صفحة، ويشتمل هذا الأرشيف على معظم المجالات الثقافية والأدبية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع إمكانية البحث في فهارسها بعنوان المقال أو اسم الكاتب أو التاريخ، وقد أتاح الشارخ هذا الأرشيف المعرفي الضخم، والذي حمل اسمه، على الإنترنت مجانًا، وقد تحدث العديد من المراقبين والنقاد عن ذلك فذكروا أن “محمد الشارخ أخرج تراث العرب من المجلات الأدبية والثقافية من كهوف الخزن إلى عالم الضوء”.
المفردات المعاصرة في معجم
نلتفت اليوم فنجد أن “صخر الشارخ” أصدرت قبل أكثر من عامينمعجم اللغة العربية المعاصرة، وهو نتيجة رؤية واعية وعمل جاد تواصل لسنين حتى صدر هذا المعجم الحاسوبي الذي يغطي اللغة العربية المعاصرة، ويعرف المفردات المعاصرة ويشرحها بشكل عصري مع بعض البيانات التي تخدم كافة المستخدمين العرب وغير العرب، على مختلف مشاربهم، مثل: السمات الصرفية والنحوية والدلالية لكل مفردة، مع أمثلة متنوعة من القرآن والحديث والشعر والصحافة، مع نطق المداخل وترجمتها الإنكليزية.”معجم صخر المعاصر”تم الاستحواذ عليه من قبل وزارة الثقافة السعودية، وتم تغيير اسمه لمعجم الرياض، تحت رعاية مجمع الملك سلمان للغة العربية.
مواهب عربية حاسوبية
أيضًا من الإرث المهم لمحمد الشارخ وجود كفاءات عربية متخصصة، فقد كان من أوائل المنادين بتأهيلها لمرحلة المعلوماتية، وراهن على مقدرتها في تضييق الفجوة التكنولوجية بين العالمين العربي والغربي، وأنفق على بعثات من الطلبة والمهندسين، وهو ما جعل “صخر” يتحول إلى “ما يشبه الجامعة العربية المصغرة” وكان في كل وقت يدعو إلى ضرورة احتضان المواهب العربية الشابة المتخصصة في علوم الحاسوب ودعمها بتوظيفها وابتعاثها ومكافأتها بالرواتب العالية، واعتبر أن مثل هذه المبادرات هي السبيل نحو النهضة واللحاق بركب الأمم المتقدمة وأن أهميتها لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
اليوم نتذكر أن الشارخ قاد مجموعة شبان عرب من دول عدة استطاع معهم، وبالتعاون مع شركة “ياماها” اليابانية، من إنتاج حاسبًا بنظام تشغيل عربي هو الأول من نوعه يعمل بلوحة مفاتيح عربية.. كان تطويع لوحة المفاتيح فيها قصة نجاح أخرى.. فظهر”كمبيوتر صخر” الذي يعد من أوائل أجهزة الحاسوب المستخدمة للغة العربية، وأكثرها شهرة، وكان من المشاهد المألوفة آنذاك اصطفاف الناسفي معظم البلدان العربية – في طوابير تمتد إلى عدة كيلومترات – لشراء جهاز “صخر” الذي بيع منه مئات الآلاف في عامه الأول، ناهيك عن بيع عشرات الآلاف من البرامج والتطبيقات، وفي الوقت نفسه أثمرت جهود الشارخ على مدى عقدين من الزمن، عن تطوير جيل جديد من تقنيات المعالجة الطبيعية للغة العربية(NLP)، فنجحت “صخر” في التغلب على تفوق تقنية المعلومات الإنكليزية على مثيلاتها العربية، وصارت رائدة في تطوير الحلول والمنتجات باللغة العربية وفي تضييق الفجوة الرقمية، ولاعبة أساسية في تقديم الحلول المتكاملة للحكومات الإلكترونية العربية في دول الخليج وبلدان عربية أخرى.
البحث والابتكار
كما نتذكر أن صخر تعتبر من أولى المؤسسات التي استثمرت منذ عام 1982 في العديد من الأبحاث الأساسية في اللغة العربية.. وأنها سعت لتطوير تطبيقات تقوم على تقنيات اللسانيات الريادية والذكاء الاصطناعي في زمن لم يكن قد تشكل بعد للدول العربية رؤى معينة تجاه الذكاء الاصطناعي واستشراف آفاقه التنموية ولا لـ”اقتصاد المعرفة” كوسيلة وهدفا في الخطط والبرامج لتحقيق “استدامة التنمية” فمنذ عام 1984، ضمت صخر فريق كبير من المهندسين والمبرمجين وحاملي الدكتوراه العرب، لتطوير أنظمة وبرامج تعليمية ومكتبية عربية كثيرة لاقت انتشارًا واسعًا في الأقطار العربية كافة، وطوّر لأول مرة برنامجاً كمبيوتريًا للقرآن الكريم عام 1984، وآخر للحديث الشريف سنة 1989، ليحصل على ثلاث براءات اختراع من هيئة الاختراعات الأمريكية، بالإضافة إلى المعجم العربي المعاصر، والمدقق الإملائي، وموسوعة الفقه الإسلامي، والمعجم العربي المعاصر.. وغيرها.ليوقع محمد الشارخ وشركة صخر على وثيقة الانطلاقة الأولى والأهم للعرب في هذا العالم الساحر.

بين الجابريةوهليوبوليسالقاهرة
حينما غزا الجار العراقي الكويت في الثاني من أغسطس 1990 قاد الشارخ مرحلة من التحدي واستطاع بعزيمة وإيمان ومساعدة من نجله والأخيار من رفاقه ومعاونيه أن يعيد هيكلة شركة “العالمية” وأنشطتها، بوقف إنتاج الأجهزة والاعتماد على الذراع البرامجية لها والتي تم نقلها من مقره في الجابرية بالكويت إلى ضاحية هليوبوليس بالقاهرة عام 1990، حيث جمع الشارخ حوله نحو 150 من خبراء تقنية المعلومات في مجالات الكلام والترجمة الآلية والبحث والقراءة الآلية والتعليم وإدارة المعلومات، ونجح في افتتاح مكاتب له في جميع أنحاء الشرق الأوسط وكثير من دول العالم.
وقد أثمرت جهوده وجهود العاملين معه في مصر عن إنتاج العديد من البرامج مثل: “أراب دوكس” و”أدوات تحليل النصوص” و”الإدريسي” و”جهينة” و”القارئ الآلي” و”البوابة التعليمية” و”ترجمة صخر للمؤسسات” وبرنامج “إبصار” للمكفوفين وضعاف البصر و”النطق الآلي للنصوص” و”التعرف الآلي على الكلام” و”صخر ألو”.

البنك الصناعي ومشروعات أخرى
أيضًا من الإرث الحضاري الذي خلفه الشارخ دوره في تأسيس البنك الصناعي الكويتي وقبل ذلك ما قدمه من خلال منصبه كمدير للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية الذي مول مشروعات حيوية ومهمة في مختلف دول العالم النامي، فضلا عما قدمه في عضوية البنك الدولي للإنشاء والتعمير (واشنطن).
بالإضافة إلى كل ذلك فإن الشارخ ترك رصيدا قصصيا مهما يتمثل في ثلاث مجموعات من القصة القصيرة ورواية العائلة.. وقد نالت جميعها ثناء استثنائيا ومهما من كثير من النقاد.
وغير ذلك فقدارتبط اسم الشارخ بالتأسيس والإسهام في تمويل عدد من المشروعات الثقافية المهمة في الوطن العربي، فهو أسس مشروع “كتاب في جريدة” مع اليونسكو عام 1997م وأسهم في تمويله، كما أسهم في تمويل مركز دراسات الوحدة العربية والمنظمة العربية للترجمة. وشكل تمويل الشارخ لعدد من المشروعات الثقافية بادرة فريدة من نوعها حينذاك، بعيدًا من مال السلطة وتمويلها الذي غالبًا ما يطالب بتنازلات معينة.
