طه عبد الرحمان.. فيلسوف أم رجل دين؟

عبد الإله إصباح
ألف الباحث طه عبد الرحمان العديد من الكتب حول قضايا الدين والأخلاق والفلسفة دفعت بالكثير من قرائه من ذوي الاتجاه المحافظ إلى نعته بالمفكر والفليلسوف احتفاء بأفكاره التي تنحى إلى إعطاء الدين مكانة المرجع و المنطلق في النظر إلى مجموع القضايا اتي طرحها وناقشها.
عرف طه عبد الرجمان بمعارضته لأصحاب المشاريع الفكرية في قراءة التراث العربي الإسلامي، من أمثال حسين مروة و الطيب تزني وعابد الجابري. يعتبر أن أن قراءة هؤلاء للتراث تفتقر للمنهج الصحيح بما أنهم يرتكزون في قراءتهم على مناهج غربية مستوردة لا تتلاءم مع طبيعة هذا التراث ومن تم تكون هذه القراءة قراءة متجنية لا تتماشى مع الخصوصية الدينية التي يتميز به التراث العربي الإسلامي.
ينطلق طه عبد الرجمان مجمل ما كتب من فكرة تجديد التراث لا بمعنى تقديم قراءة مغايرة له، وإنما بمعنى استئناف الاعتماد عليه في ابتكار فلسفة أصيلة مصدرها الذات العربية الإسلامية دون أي مصدر أخر خارج عنها حتى تكون تلك الفلسفة فعلا فلسفة عربية إسلامية. ولأنه مدرك أن الفلسفة هي في إحدى وجوهها نحت وإبداع لمجموعة من المفاهيم التي تخص فيلسوفا أو تيارا فلسفيا، فإنه سعى إلى الانفراد والتميز بمفاهيم ومصطلحات نحتها دوما من منطلق الوفاء للمرجعية الدينية الإسلامية, هكذا روج في كتبه العديد من مثل هذه المفاهيم مثل الإئتمانيةوالدهرانيةو التكوثر العقلي و التاثيل وغيرها من المفاهيم والمصطلحات.
في كل أعماله يبقى الهاجس الأكبر لطه عبد الرحمان هو العقيدة الإسلامية هي المنطلق والغاية، هي البداية والنهاية، يرفض أي مفهوم أو قيمة أو تصور لا يكون منطلقه هذه العقيدة بالذات, يعارض فلسفة الأخلاق عند الكندي والفاربي وابن سينا لانها حسب تصوره هي نفسها فلسفة الأحلاق عند أرسطو التي ترتكز على الفصيلة والشجاعة والعفة في حين أن فلسفة الأخلاق في الإسلام تتحدد في التقوى والإيمان بالدرجة الأولى. برفض طه عبد الرحمان كل فلسفة للأحلاق مستقلة عن العقيدة الإسلامية ولذلك فالآيمان في نظره هو قمة الأخلاق.
كيف يمكن إذن اعتبار طه عبد الرحمان فيلسوفا وهو ينطلق دوما من أجوبة جاهزة يستخرجها من مستودع العقيدة الإسلامية، كيف يمكن اعتباره فيلسوفا وهو يصادر على الحق في المغامرة العقلية الحرة المتحررة من قيود الدين والعقيدة،
هوس الإيمان يذهب به أحيانا إلى حد الرغبة في استنطاق الفلاسفة الغربيين عن هذا الإيمان، فهم في نظره مؤمنون ولكنهم يخفون هذا الإيمان و لا يصرحون به، فهيدحر و نتشه مؤمنان، سيتبين أيمانهما إذا استنطقنا جيدا فلسفتهما.
صحيح هناك العديد من الفلاسفة لديهم نوع من الإيمان الديني، ولكنهم لم ينطلقوا في انتاجهم الفلسفي من هذا الإيمان، بل نجحوا في وضع مسافة معقولة بين ما انتجوه من فلسفة وبين ايمانهم الديني الخاص. كذلك هناك العديد من علماء الرياضيات وعلماء الطبيعة والفلك متدينون بهذا القدر أو ذلك، ولكنهم في مجالهم العلمي انضبطوا للقواعد الصارمة للعلم ومناهجه، ولذلك استحقوا صفتهم ولقبهم كعلماء،
وطه عبد الرحمان بتقوقعه في ايمانه الديني منع عن نفسه رياح الفكر الحر وحرمها من متعة التحليق الفلسفي، فاستحال عليه أن يكون فيلسوفا حقيقيا، لأنه في حقيقته كان وسيظل داعية عقيدة ورجل دين يعارض العلمانية بما يسميه الإئتمانية ويناهض الحداثة بما يسميه بؤس الدهرانية