ضباشي وأجواء شارع محمد علي
كانت قاعة الشاميات مركز هذه الأجواء؛ راقصات وغناء وموسيقى...

بقلم: محمد النواية
شارع محمد علي بالقاهرة هو شارع الفن والموسيقى والمسرح والسينما، كان قبلة لعشاق الفن، ساهم في إنعاش الحركة الفنية وتألق فيه العديد من نجوم الغناء والرقص والتمثيل. كانت لهم أماكنهم الخاصة في مقاهي ومطاعم هذا الشارع، يناقشون فيها ويعقدون صفقاتهم الفنية حيت كان الشارع يعج بالمسارح والكباريهات. في مراكش عاش شارع ضباشي نفس أجواء شارع محمد علي بشكل من الأشكال في الأربعينات والخمسينات. كانت قاعة الشاميات مركز هذه الأجواء؛ راقصات وغناء وموسيقى. كانت نخبة من العاشقين للطرب الأصيل تتردد على هذه القاعة التي كانت المتنفس الوحيد بالمدينة لهؤلاء المولوعين. سميت بقاعة الشاميات كون هؤلاء الراقصات من غوازي بلادالشام يمارسن فن الرقص الشرقي وأنواع الطرب الأخرى من موشحات وأدوار وقدود حلبية. اشتغل بها عدد من العازفين والمطربين والمطربات المغاربة نذكر منهم العربي الكواكبي؛ الطاهر نيارة؛ لعجيلة؛ محماد؛محمد أومنجار؛ تيميجة؛لويزة التونسية؛عبد الله عصامي؛ والمطربة لطيفة أمال. يروي قدماء الحي أن بعض المقاومين هددوا صاحب القاعة بتفجيرها فسارع الحاج غزالة إلى إغلاقها خصوصا أن التهديد جاء بعد عملية مقهى فرنسا 1954 التي استهدفت الجنرال الفرنسي Tot ville.
تحولت قاعة الشاميات إلى قاعة سينمائية سميت باسم صاحبها “سينما غزالة” تعرض أفلاما غالبيتها استعراضية غنائية وتبرمج قبل كل عرض أغاني كلاسيكية من أشرطةآ الة تسجيل قديمة. بالشارع ثلاثة محلات لبيع الآلات الموسيقية بجميع أنواعها من نحاسيات؛ آلات إيقاع؛ أسطوانات من صنف 33و45 لفة ومحل أخر لكراء الفونوغراف.
المقاهي الشعبية بالشارع كان لها نصيبها في تكوين وتهذيب الذوق الفني لأجيال من الشباب بفضل جلسات الاستماع والاستمتاع في هذه الأماكن. ظهر أنداك موسيقيون ومطربون استأجروا دكاكين ومحلات وصاروا معروفين ومطلوبين في الحفلات والمناسبات، من بينهم من درسوا الموسيقى بالمعهد الموسيقي بدار السي سعيد الذي كان يشرف عليه الأستاذ مولاي عبد الله الوزاني وثلة من الأساتذة الموسيقيين المراكشيين. في إطار هذا الإشعاع الفني والحركة الفنية الشاملة ظهرت مجموعة من الأجواق الموسيقية نذكرمنهم فرقة عبد الله عصامي التي كان مقرها الطابق الفوقي لمحل الفاضل عصامي الذي رأس أقدم فرقة للطبالة التي تأسست 1956، وفرق غنائية شعبية أسسها كل من حميد الزهير؛ سالم أبابا؛ العباسي حسن وفرقة عزوز تيكتيك الخ…
كان زقاق ضباشي يعج بالمغنين والموسيقيين عازفي الكمان؛ العود؛ الناي؛ والإيقاع، وأصحاب الطرب الأندلسي وأهل الملحون حيت انتشر صيت بعضهم خارج مراكش كالكواكبي؛عبد الله عصامي؛حميد الزهير؛ عبد اللطيف غرنيط والعربي الجادري وعازف الكمان فالجوق الوطني مولاي الغالي الشرايبي ومحمد أومنجار عضو الجوق الأندلسي بالرباط.
من الدكاكين التي كان لها إشعاع في الموسيقى وطرب الملحون دكان الشيخ الطاهرأمنزو أمام درب الجديد الذي سينتقل بعد ذلك إلى دكان أخر بالكيماخين. الدكان كان عبارة عن محل لبيع الآلات الموسيقية. ساهم هذا الشيخ في تألق العديد من الأسماء في سماء الموسيقى والغناء محليا ووطنيا. من بين الفنانين الذين مروا بالمكان الفنان المتفرد مصطفى الريحاني الذي كان يحضر بعض جلسات الشيخ أمنزولصقل موهبته موازاة مع دراسته الموسيقية بمعهد دار السي سعيد؛ ثم أتممها بالمعهد الموسيقي بالدارالبيضاء. يعد من الأوائل اللذين اشتغلوا على الموسيقى الكلاسيكية؛ شارك مع فرق الجازوالموسيقى الغربية الكلاسيكية، أسس مجموعة الشعلة للأغنية الملتزمة مع بعض الفنانين أذكر منهم المرحوم إسماعيل والشاعر عبد الله زريقة وثريا الحضراوي. خاض غمار الثنائيات الموسيقية وتجربة فرقة “رباعي الحمراء”مع رفيقه سعيد الشرايبي التي تركت تراثا من المؤلفات الموسيقية المستقاة من روح التراث المغربي الأندلسي جال مع هذه الفرقة معظم بلاد أوروبا من فرنسا إلى روسيا..
لم يكن شارع ضباشي في وسعه أن يتسع لهذا الزخم الفني الفريد، فامتد في اتجاه عرصة لغزايل حيت افتتح قبالة سينما الزهرة نادي الأمل المراكشي للموسيقى وهو جوق تأسس بعد تفكك جوق طرب الآلة برئاسة الأستاذ مولاي عبد الله الوزاني؛ نتيجة الإهمال وعدم الدعم. تولى رئاسة جوق الأمل الأستاذ مولاي مصطفى الشمسي؛ يضم عشرين عازفا؛ حقق نجاحا وشهرة في الأوساط الفنية. سينما الزهرة هي الأخرى ذكرى مكان لا زالت أجيال الأمس تستحضر السحر والأنس اللذان كان يضيفان لساكنة الأحياء المجاورة والمولعين بالطرب الشرقي الأصيل. كانت مسرحا هوائيا في ليالي الصيف، تعرض روائع السينما المصرية في عز نهضتها من أفلام لمطربين كبار أغنوا الساحة الفنية بروائعهم الخالدة. إقبال العائلات المراكشية على مشاهدة هذه الأفلام كان مكتفا انطلاقا من تأثرها بأجواء الحياة الجديدة في المجتمع المصري من أناقة؛ فن؛ موسيقى ونمط عيش مخالف للتقليد؛ تذوق للفن والأحاسيس الجميلة واكتساب تجارب جديدة لمجتمعات متحضرة من خلال المواضيع والقصص التي تتناولها السينما المصرية آنذاك. وقتها ساد شعور ببداية الحاجة إلى هذا الاتجاه وكان هذا من بين أهداف عبد اللطيف القباج صاحب القاعة أحد أبناء الحي مساهمة منه من أجل إخراج فئات من المجتمع المراكشي من الانغلاق الذي كانت تعيش فيه بسبب التربيةا التقليدية ووضع المرأة وقتذاك فأصبح هذا التقليد يتكرر كل صيف. الفرجة كانت تصل إلى سطوح المنازل التي كان أصحابها تتوافد عليهم الزيارات كل أسبوع لأن الفرجة كانت بالمجان وكانت نسائم الليل الصيفية تحمل نغمات الموسيقى والغناء إلى باقي سطوح منازل الدروب المجاورة. لعبت قاعة سينما الزهرة شيئا ما بعض من دور قاعة الشاميات السالفة الذكر باحتضانها للسهرات الغنائية… مَنْ مِنْ أجيال الأمس لا يتذكر الحفل الذي احتضنته هذه القاعة حيت كان نجمه المطرب عبد الهادي بلخياط برائعته الجديدة القمرالأحمر سنة 1964. كما كان لشارع محمد علي بالقاهرة عوالمه باللهجة المصرية كان لزقاق ضباشي عوالماته أو بدارجتنا شيخاته وعياطاته ومتعهدي هذه اللون الغنائي،نذكرمنهن فنيدة؛ البرغيلية؛ مينة بنت باروك؛ حليمة لمزوقة؛ الباتول؛ بيتيت وزهرة الخياطة في طرب الملحون.
لا يمكن أن أختم الكلام دون أن أتكلم عن المسرح في هذا الشارع، فقد كان بدرب الحجرة نادي وفي نفس الوقت مقرا للشبيبة والرياضة في بداية الاستقلال؛كانت به ورشة للمسرح يشرف عليها المرحوم مولاي عبد الواحد حسنين رئيس فرقة الأطلس التي قدمت أول مسرحية في عهد الحماية نالت إقبالا كبيرا من الجمهور المراكشي بقاعة سينما مبروكة
يقول المرحوم عبد الجبار لوزير في سيرته التي كتبها الدكتور عبدالصمد الكباص: “توصلنا بمقر النادي بسيل من رسائل التهاني والشكر والتشجيع وخصصت جريدة العلم صفحة كاملة للمسرحية ونشر مقاطع منها”.