حوار مع الدكتور عبد الاله منظم ( ج1): لا يحق للأستاذات والأساتذة نشر صور المتعلمين القاصرين دون الحصول على موافقة صريحة من أولياء أمورهم

حاوره: عبد الرزاق بن شريج
مع تطور التكنولوجيا الحديثة وتمكين الجميع من النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل التواصلية انتشرت ظاهرة السب والقذف والتشهير، حيث اختلط لدى البعض معنى وأهمية النقد البناء الذي يسعى من خلاله الناقد إلى تقديم آراء صحيحة حول عمل الآخرين، وحاجة المسؤول لرأي المعارضة لتطوير الفعل، وبين الخوض في أعراض الناس والتشهير بهم، مما فتح نقاشا واسعا حول هذه الظاهرة وضرورة مراجعة القانون الجنائي المغربي ليستوعب التطورات الحاصلة في هذا المجال، ولتوضيح هذه الظاهرة أكثر أجرت جريدة لو7 أنفو (le7info) حوارا مع الدكتور عبد الإله منظم ،وهو دكتور في القانون العام، وباحث ومفتش تربوي من الدرجة الممتازة، وأستاذ زائر بجامعة الحسن الاول بسطات، وعضو المكتب الجهوي لنقابة مفتشي التعليم بجهة الدار البيضاء سطات.
س= بصفتكم مفتشا تربويا ودكتورا في القانون ما هو رأي المفتش عبد الإله منظم في نشر صور المتعلمين على صفحات التواصل الاجتماعي؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد أولا من دق ناقوس الخطر أمام تنامي مثل هذه الممارسات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من طرف البعض، ولعل سبب هذا التنامي هو الجهل بالقوانين والتشريعات من جهة، وغياب زجر ومحاكمة بعض الناشرين من جهة أخرى. وعلاقة بالسؤال لابد من التمييز بين أمرين اثنين في هذه النازلة، أولا إذا كان نشر صور المتعلمين بهدف استخدامات مهنية مشروعة بشرط احترام القوانين والأنظمة المعمول بها، كشرط الحصول على موافقة كتابية من طرف أولياء الأمور، فلا مانع، ولكن إذ اتم نشر تلك الصور دون موافقة قانونية من طرف أولياء الأمور، وتم استخدامها بشكل غير مهني وغير مشروع فإن القانون الجنائي المغربي تشدد في زجر كل من خولت له نفسه نشر صور المتعلمين على منصات الفضاء الرقمي، لأن هدف القانون من خلال هذا الإجراء هو حماية الحياة الخاصة للأفراد سواء الراشدين منهم أو القاصرين، إضافة إلى حماية خصوصية المتعلمين لما قد يحدثه التصوير من تداعيات نفسية وخيمة.
أي تصوير للأطفال بدون موافقة مكتوبة من دويهم، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر انتهاكا لخصوصية الأطفال.
وتنويرا للرأي العام، وللأستاذات والأساتذة على وجه الخصوص، ووفقا للقانون المغربي، لا يحق للأستاذات والأساتذة نشر صور المتعلمين القاصرين دون الحصول على موافقة صريحة من أولياء أمورهم. وأن أي تصوير بدون موافقة مكتوبة، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر انتهاكا لخصوصية الأطفال ويعرض مرتكبيها لإجراءات تأديبية منصوص عليها قانونا.
س= ما رأيكم القانوني في انتشار هذه الظاهرة؟
لابد أولا من الإشارة أن المقصود بالمتعلمين حسب السياق هم أطفال المدارس الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، حيث إن المشرع المغربي حدد سن الرشد القانوني ببلوغ 18 سنة شمسية حسب منطوق المادة 209 من مدونة الأسرة المغربية.
{فالمشرع المغربي تطرق لتجريم تصوير الأشخاص في الأماكن الخاصة دون إذنهم، أو دون توفر المصور على ترخيص من جهة رسمية لها الحق في ذلك}
وللأسف، هناك انتشار متزايد لنشر صور المتعلمين على صفحات التواصل الاجتماعي سواء بحسن نية أو بدونها، إلا أن المشرع المغربي منع مثل هذه الممارسات المخالفة للقانون بصفة عامة، لأنها تدخل في حماية الحياة الخاصة للأفراد، بما في ذلك المتعلم، على أساس أن هذا الأخير يعتبر قاصرا ما لم يبلغ سن الرشد المحدد في 18 سنة، الذي بموجبه لا يتصرف بمحض إرادته لعدم توفره على شرط الأهلية، وبالتالي فجميع تصرفات القاصر لا تتم إلا بإذن كتابي من طرف ولي أمره قبل تصويره أو نشر صوره، باعتباره هو الوصي على أي تصرف صادر عنه. فالمشرع المغربي تطرق لتجريم تصوير الأشخاص في الأماكن الخاصة دون إذنهم، من خلال فصول القانون الجنائي التالية: 1-447 و2-447 و3-447، حيث نص على عقوبات سجنية تصل إلى 5 سنوات مع غرامات مالية، وقد استثنى المشرع المغربي تطبيق تلك العقوبات سالفة الذكر في بعض الحالات، أهمها:
1. توفر ملتقط الصورة أو التسجيل على ترخيص قانوني.
2. موافقة الشخص المعني إذا كان راشدا، أو ولي أمره إذا كان قاصرا
.3. الاستخدامات المهنية المشروعة، مثل التغطية الصحفية بشرط احترام القوانين والأنظمة المعمول بها.
أما المشرع المصري فقد اعتبر تصوير أي شخص دون إذن، جريمة مكتملة الأركان لأن هذا الفعل يوصف بأنه اختراق للخصوصية، ويتسبب للشخص في أضرار كبيرة سواء على الجانب الأسري أو أمام الرأي العام. وقد استثنى من ذلك حالة واحدة، وهي إذا كان ملتقط الصورة شخصا ذو صفة رسمية أو عامة، أو يتمتع بشهرة محلية أو عالمية، أو سمحت بهذا النشر السلطات العامة المختصة خدمة للصالح العام، وبشرط ألا يترتب عن عرض هذه الصورة في هذه الحالة الأخيرة أي مساس بشرف هذا الشخص أو بسمعته أو اعتباره.
وأعتقد أن المشرع المصري قدم إجابة جامعة مانعة لمعالجة هذا الفعل.
س= ماذا يقول القانون في مسألة التشهير والسب والقذف؟
إذا كان القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، فإن تطبيقه يرسخ دولة القانون والمؤسسات، وأن أي تراخ في تطبيقه يؤدي إلى تنامي مثل هذه الانزلاقات الشاذة. فحينما نتحدث عن السب والقذف والتشهير فهي جنح تحدث ضررا للغير يتمثل في انتهاك جسيم يمس الشرف، ويلزم معاقبة كل من سولت له نفسه ارتكابها. وذلك عملا بمقتضيات المادة 77 من قانون الالتزامات والعقود التي تنص على أن كل فعل ارتكبه الانسان عن بينة واختيار من غير أن يسمح به القانون فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر إذا ثبت أن هذا الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر.
قانون الصحافة والنشر يميز بين المفهومين ومدلولها والعقوبات المتربة عن ارتكابها في المواد 84،83 و85 من القانون نفسه.
وللتدقيق أكثر، واعتمادا على المقاربة القانونية لهذه الجرائم، لابد من التطرق إلى كل مسألة على حدة من منظور التشريع المغربي، ولنبدأ أولا بالسب والقذف، الذي يطال الأحياء والأموات على حد سواء، حيث تطرق القانون 83.13 المتعلق بالصحافة والنشر الصادر بتاريخ 10 غشت 2016، بصريح العبارة لهذين المفهومين وميز بين مدلوليهما والعقوبات المترتبة عن ارتكابها في المواد 84،83 و85 من القانون نفسه، حيث ورد في المادة 83 التعريفان التاليان:
” القذف: ادعاء واقعة أو نسبتها إلى شخص أو هيئة، إذا كانت هذه الواقعة تمس شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة التي نسبت إليه أو إليها “، وهو نفس التعريف الذي حدده القانون الجنائي المغربي في المادة 442.
أما السب فهو: “كل تعبير شائن أم مشين أو عبارة تحقير حاطة من الكرامة أو قدح لا تتضمن نسبة أية واقعة معينة”، وهو لا يخرج في مضمونه عن التعريف الذي أورده القانون الجنائي في مادته 443.
ومن خلال التعريفين نجد أن القاسم المشترك بينهما يتجلى في أن “القصد” هو التحقير والحط من الكرامة والمس بالشرف سواء كان موجها ضد شخص أو هيئة، وهذه كلها علل أناط بها المشرع في هذا القانون عقوبات زجرية ضد مرتكب “نشر” القذف والسب الذي اسند أمورا للمجني عليه، والتي تستوجب في حالة ثبوتها عقابه بالعقوبات المنصوص عليها قانونا، على اعتبار أن السب والقذف جنحتان تتطلب لقيام إحداها توافر عناصر نشاط إجرامي، والمتمثل في فعل الاسناد، وموضوع ينصب عليه هذا الاسناد؛ ويتمثل في الواقعة المشينة، وأخيرا علانية الاسناد بالطرق التي حددها القانون والقصد الجنائي.
{لقد أفرد القانون الجنائي المغربي عقوبات تجمع بين الحبس والغرامة، تردع كل من شهر بأشخاص قصد المس بحياتهم الخاصة، والتشهير بهم}
أما بخصوص التشهير فيقصد به في القانون المغربي نشر أو إذاعة معلومات كاذبة أو مضللة عن شخص أو مؤسسة بهدف المساس بحياتهم الخاصة، والإساءة إلى سمعتهم، ويشمل ذلك جميع الوسائل مثل الصحف، التلفاز، الأنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي. أما الفقه الإنجليزي فقد استفاض في تعريفه بشكل صريح، حيث اعتبره بأنه ذلك الفعل الضار الذي “يؤذى سمعة شخص آخر بتعريضه للكراهية، للازدراء، للسخرية، أو ذلك الذي يقصد به الحط من تقديره في نظر أصحاب الآراء السديدة والمبادئ في المجتمع”.
وقد أفرد القانون الجنائي المغربي عقوبات تجمع بين الحبس والغرامة، تردع كل من شهر بأشخاص قصد المس بحياتهم الخاصة، والتشهير بهم، وذلك ببث أو توزيع ادعاءات كاذبة دون الموافقة على النشر، وهو ما يستفاد من منطوق الفصل 2-447 وما يليه. ولكي تعتبر جريمة التشهير قائمة، يجب توفر الأركان التالية:
1. الفعل: أي نشر معلومات مضللة، سواء كانت أقوالا أو أفعالا أو صور أشخاص؛
2. النية الإجرامية: أي القصد بالإضرار بالسمعة؛
3. العلاقة السببية: أي تسبب الفعل المرتكب في أضرار للضحية.
ومن تمظهرات هذه الأفعال المدانة المتعلقة بالسب والقذف والتشهير، ما نجده بين الفينة والأخرى من رسائل نصية أو تدوينات منشورة على جدران مواقع التواصل الاجتماعي باسم حقيقي أو مستعار، تضم مجموعة من التصريحات المشينة، والاتهامات الزائفة، والحاطة بالكرامة، من قبيل: ” من منا لا يعرف هذا اللص” أو ” إنه انفصالي مرتزق «، وهلم جرا… مما يتسبب في إساءة للمعني بالأمر ولعائلته، والمس بشرفه والنيل من سمعته، نظرا لتداول المقالات على الألسنة. وبما أن مثل هذه العبارات متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي المفتوح للعموم، مما يتحقق معه عنصر العلنية، ويكفي لتوافر القصد الجنائي للمتهم أن تتجه إرادته الى إسناد عبارات السب والقذف قاصدا علانيتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو عالم بذلك، وبما أن هذا الفعل يحدث ضررا، فإن مؤاخذة مرتكب هذا الفعل من أجل المنسوب إليه تصبح ضرورة ملحة.
(يتبع)