حوار مع الدكتور عبد الاله منظم (ج 2): سب الذات الإلهية هو سب للذي أنزل الدين الإسلامي، لذا جرمه القانون المغربي.

أجرى الحوار: عبد الرزاق بن شريج
س= بعد تطرقكم لمسألة التشهير والسب والقذف بين الأفراد والمؤسسات هل القانون تطرق لسب الذات الإلهية؟
لابد من التذكير بأن أهم مقومات الدولة المغربية تتمثل أساسا في الدين الإسلامي باعتباره دين الدولة حسب منطوق الفصل 3 من دستور 2011، وترتيبا عليه فإن سب الذات الإلهية من باب أولى هو سب للذي أنزل الدين الإسلامي، لهذا جرم القانون المغربي سب الذات الإلهية. وفقًا للفصل 5-267 من القانون الجنائي المغربي، حيث إن الإساءة إلى الدين الإسلامي أو سب الذات الإلهية يُعَدّ جريمة يعاقب عليها القانون.
تطرقت المادة 71 من القانون 83.13 المتعلق بالصحافة والنشر لذات الموضوع وأفردت لمرتكبها عقوبات زجرية، وذلك بهدف حماية النظام العام للمجتمع
وتتراوح العقوبات بين الحبس والغرامة المالية، وذلك بحسب طبيعة الفعل المرتكب، وللأمانة العلمية ينص الفصل 5-267 على ما يلي. “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من 20.000 إلى 200.000 أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أساء إلى الدين الإسلامي أو النظام الملكي أو حرض ضد الوحدة الترابية للمملكة. ترفع العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 500.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتكبت الأفعال المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن والتجمعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم، أو بواسطة البيع، أو التوزيع أو بواسطة كل وسيلة تحقق شرط العلنية بما فيها الوسائل الالكترونية والورقية والسمعية البصرية”
كما تطرقت المادة 71 من القانون 83.13 المتعلق بالصحافة والنشر لذات الموضوع وأفردت لمرتكبها عقوبات زجرية، وذلك بهدف حماية النظام العام للمجتمع. غير أن تحديات التطبيق الفعلي تظل قائمة من قبيل وجود مواد غامضة وغير محددة بشكل كاف، إضافة إلى صعوبة إثبات الجريمة وغياب المتابعة القانونية في عدة حالات، مما يستدعي مراجعة القوانين في هذا الشأن لتعزيز حماية القيم الدينية.
س= ما هو الحل التربوي للقضاء أو التقليل من ظاهرة السب والقذف والتشهير سواء في وسائل التواصل الاجتماعي، أو الاجتماعات الرسمية للتنظيمات ومؤسسات الدولة؟
إن الحل التربوي للحد من انتشار هذه الظواهر سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو الاجتماعات الرسمية للتنظيمات ومؤسسات الدولة، فيرتكز على عدة استراتيجيات تستهدف كل أفراد المجتمع، وذلك من خلال كل وكالات التنشئة الاجتماعية، بدءا بالأسرة وما تستوجبه من تربية أخلاقية وقيمية، تسعى إلى تعزيز قيم الاحترام والصدق والتسامح، وتحث على حسن الخلق واحترام الآخرين، وتقديم القدوة الحسنة من قبل أولياء الأمور، مع مراقبتهم الصارمة لأبنائهم أثناء استعمال الأنترنيت وتوجيههم بطرق إيجابية.
العمل على تلقين المتعلمين أساليب التعبير عن آرائهم دون تجريح للآخرين
كما أن المدرسة، باعتبارها فاعلا أساسيا في إرساء “تربية إعلامية” منصوص عليها في المناهج والبرامج الدراسية، لتواكب التطورات التي تعرفها الساحة الإعلامية، والتحسيس بخطورة السب والقذف والتشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتوعية بالقوانين الرادعة لمثل هذه التجاوزات المجرمة قانونا، والعمل على تلقين المتعلمين أساليب التعبير عن آرائهم دون تجريح للآخرين. كما يلعب الإعلام دورا مؤثرا للحد من انتشار هذه الظواهر، وذلك من خلال تنظيم برامج إرشادية وندوات توعوية تسلط الضوء على مثل هذه الظواهر، وتبرز آثارها النفسية وعواقبها القانونية، وخاصة لفائدة نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار هذا الميدان محفوفا بالمخاطر القانونية والمساءلة القضائية لكل من سولت له نفسه التمادي في السب والقذف والتشهير.
س= هناك ظاهر أخرى انتشرت مؤخرا بقوة هي انتحال صفة، فما هو تعريفها القانوني؟
للأسف، لا يوجد تعريف صريح ومباشر لمفهوم “انتحال صفة” في القانون الجنائي المغربي، لكن يستفاد من مقتضيات الفصلين 380 و381 من القانون الجنائي، أن انتحال صفة هو ادعاء صفة قانونية أو مهنية دون موجب حق، مع نية الخداع والاحتيال بهدف إلحاق الضرر بالآخرين، أو تحقيق مكاسب مادية أو معنوية غير مشروعة، وهو فعل يعاقب عليه القانون المغربي بعقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة، حسب خطورة الفعل المرتكب وظروفه.
تتحقق صفة انتحال صفة بتوافر الركن المادي (الفعل المرتكب) والركن المعنوي(أن يكون الفاعل على علم بفعله
ولكي تتحقق جريمة انتحال صفة، يجب توافر ركنين أساسيين، الركن الأول مادي، ويتمثل في الفعل المرتكب ” ادعاء صفة لا يحق للشخص استعمالها” مثل التظاهر بأنه طبيب أو شرطي أو رئيس جهة…أما الركن الثاني فهو معنوي، ويتجسد في “القصد الجنائي”، أي أن يكون المنتحل على علم بعدم أحقيته في استخدام هذه الصفة، ومع ذلك يقوم بهذا الفعل لتحقيق منفعة أو الإضرار بالغير. فالشخص الذي يدعي أنه شرطي وهو ليس كذلك، يوقف المواطنين ويجري عمليات تفتيش غير قانونية، يكون قد ارتكب الفعل الاجرامي بشكل فعلي وهو يعلم يقينا أنه ليس بشرطي، ورغم ذلك يستمر في مزاولة المهنة لتحقيق منفعة أو الحاق الضرر بالغير. ونفس الأمر ينطبق على منتحل صفة رئيس جهة، الذي يعقد اجتماعات دورية ويتصرف في ميزانية من الأموال العامة، ويستخدم هوية الجهة وشعارها وخاتمها، فهو بذلك يحقق منفعة ويلحق الإضرار بالغير، علما بأنه يعلم يقينا أنه ليس برئيس جهة قانوني، ورغم ذلك يستمر في مزاولة هذه المهمة.
س= هل يعتبر انتحال صفة مسا بحقوق الجهة المنتحلة صفتها؟
أكيد، فبما أن انتحال صفة هي جنحة في الأصل وقد تتحول إلى جناية بمقتضى فصول القانون الجنائي المغربي (من الفصل 380 إلى الفصل 391)، فإن أي منتحل صفة يمس بحقوق الجهة المنتحلة صفتها سواء كانت جهة حكومية، مؤسسة خاصة، أو شخصا طبيعيا… يعرض نفسه لعقوبات زجرية منصوص عليها في متن القانون الجنائي، لأن منتحل الصفة يضر بسمعة الجهة المنتحلة صفتها ويؤثر على مصداقيتها، وفي ذلك انتهاك لحقوقها المعنوية.
المنتحل للصفة يكون قد اعتدى على هوية المؤسسة، خصوصا إذا كان الانتحال يشمل استخدام اسم، صفة، أو شعار …مملوكا للجهة المنتحلة صفتها، فقد يكون بفعله هذا قد انتهك حقوق الغير
وقد يتسبب أيضا في الحاق أضرار مالية أو قانونية حينما يحقق مكاسب غير مشروعة، مما يخول للمتضرر الحق في المطالبة بالتعويض. كما أن المنتحل للصفة يكون قد اعتدى على هوية المؤسسة، خصوصا إذا كان الانتحال يشمل استخدام اسم، صفة، أو شعار …مملوكا للجهة المنتحلة صفتها، فقد يكون بفعله هذا قد انتهك حقوق الغير، وساهم في زعزعة الثقة بالمؤسسات. وقد يستفاد من صرامة المقتضيات القانونية الجنائية مدى جدية المشرع المغربي في التصدي لجرائم انتحال الصفة، وذلك بهدف حماية الأمن الاجتماعي.