حلقات من تاريخ نقابة مفتشي التعليم (3)
الحلقة الثالثة: أسرار الليلة الحاسمة، وكواليس أزمة مجمع الشباب بفاس

عبد الرزاق بن شريج/ عضو مؤسس لنقابة مفتشي التعليم
شهادة شخصية موثقة حول السياق والأحداث التي أفضت إلى ميلاد نقابة مفتشي التعليم بالمغرب سنة 2003.
الغاية: حفظ الذاكرة النقابية لجهاز التفتيش وتوثيق اللحظات المفصلية في تاريخ نقابته.
بين الجدل واستعادة الذاكرة
بعد نشر الحلقة الأولى والثانية من شهادتي حول تأسيس نقابة مفتشي التعليم، توالت ردود متفاوتة، بعضها يرى أن الشهادة غير شاملة وتختزل التأسيس في كونه مجرد رد فعل على مواقف النقابات التقليدية من ملف المفتشين. وتطرح أسئلة مثل: متى بدأ التفكير في تأسيس نقابة مفتشي التعليم؟ وهل كان ذلك قبيل أبريل 2003؟ أم أن التفكير أقدم بكثير؟ أسئلة دقيقة وهادفة ستسهم لا محالة في إغناء النقاش وتجميع المعطيات اللازمة من أجل تدقيق تاريخ ومسار النقابة لتستفيد من ذلك الأجيال الحالية والمستقبلية.
إن هدفي من هذه الشهادة، التي تبقى -كما أكدت في الحلقتين السابقتين- شخصية، وليس إعادة كتابة للتاريخ، بل الهدف منها خلق نقاش حقيقي حول مسار النقابة التي أشعر اليوم ببداية أزمتها، أزمة قد تكون سببًا في أفولها إذا لم تُستدرك.
جذور الفكرة والوعي المبكر بضرورة التنظيم
رغم أن هذه الحلقة الثالثة تجاوزت مرحلة التفكير في التأسيس، وتفاعلا مع طروحات بعض المؤسسين لابد من التذكير أن النقاش حول تأسيس نقابة لمفتشي التعليم بدأ، على الأقل، منذ بداية الثمانينيات. فقد ظل الوعي النقابي حاضراً في خطابات المفتشين لعقود طويلة. لكن شهادتي تركز أساسا على مرحلة نضج الفكرة حين توافرت الإرادة اللازمة وخلقت الظروف والشروط الملائمة للتنفيذ.
ورغم أن سياق التأسيس جاء في أجواء متوترة مع النقابات التقليدية، إلا أن المفتشين أظهروا نضجًا سياسيًا ونقابيًا لافتًا، إذ أكدت وثائقهم الرسمية أن نقابتهم: “لم تدّع أنها بديل نقابي عن النقابات القائمة”،
وأنها ثمرة:
“اجتهاد وتكامل الإطارات الجمعوية الخاصة بكل فئات التفتيش”.
الانطلاقة التنظيمية
بعد القرار بتأسيس النقابة، تم تشكيل اللجنة التحضيرية واختيار السيد محمد الفخور، مفتش التعليم الابتدائي، منسقا لها. جرى توزيع الأدوار والمهام بين أعضائها، وانطلقت عملية الإعداد لمسودات أوراق المؤتمر الوطني التأسيسي. (الورقة التوجيهية، القانون الأساسي، النظام الداخلي، الملف المطلبي، مسطرة المؤتمر، وثائق الدعوى القضائية ضد الحكومة بخصوص المرسوم 2.02.854 المتعلق بموظفي وزارة التربية الوطنية.)
وفي تذكيرٍ طريف، وجدت نفسي أستحضر واقعة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي حين سرب مسودة بيان قمة عربية طارئة بعد غزو العراق للكويت في 10 غشت 1990. كانت الوثيقة مشروع قرارات، منتقدا كل الدول العربية لأنها أعدت مسودة بيان، وهو ما يدل على أنها البيان معدة من طرف جهة ما ليست الدول العربية وأن هذه الأخيرة تملك التصديق فقط -حسب رأي القذافي- لكن العادي والطبيعي أنه لا يمكن الدعوة إلى مؤتمر أو اجتماع دون إعداد مسودة قرارات قابلة للنقاش والتطوير وحتى التغيير.
لكن المفاجأة أن المدير رفض الشيك وأغلق أبواب المراقد، بينما كان 213 مؤتمرًا ينتظرون خارج المجمع.
اجتماعات فاس: العمل المتواصل
عقدت اللجنة التحضيرية حوالي خمس اجتماعات أساسية، بالإضافة إلى اجتماعات لجانها الفرعية العديدة، كلها بمدينة فاس. وقد اعتمد الأعضاء في تواصلهم على وسائل كانت حديثة نسبيًا آنذاك، مثل البريد الإلكتروني (Hotmail وYahoo) والرسائل القصيرة عبر الهواتف المحمولة (SMS) وخدمات مخادع الهاتف الثابت (Téléboutique).
في يوم الأحد 23 مارس 2003، الموافق 20 محرم 1424، اجتمعت اللجنة التحضيرية بنادي التعليم بفاس لوضع اللمسات الأخيرة على مسودات الأوراق. وتم الاتفاق على عقد المؤتمر التأسيسي يوم 4 أبريل 2003 بمجمع الشباب بفاس، مع تخصيص الفترة بين 23 مارس و3 أبريل لإخبار جميع مفتشات ومفتشي المغرب بقرارات اللجنة، ومن أهمها تاريخ المؤتمر ومكانه وعدد ممثلي الأقاليم، (مفتش(ة) عن كل فئة عن كل إقليم.
أزمة مجمع الشباب بفاس: لحظة مفصلية
لم يكن الطريق نحو التأسيس مفروشًا بالورود، فقد واجهت اللجنة عراقيل متعددة، منها تمزيق لافتات المؤتمر في الشارع العام. لكن أخطر أزمة وقعت يوم الجمعة 4 أبريل 2003، أي قبل ساعات من انطلاق المؤتمر.
بعد استقبال 213 مؤتمراً يمثلون مختلف النيابات، رفض مدير مجمع الشباب بفاس قبول الشيك الخاص بمصاريف المبيت، رغم الاتفاق المسبق على أداء المبلغ على دفعتين. عندها تطوع عضو اللجنة التنظيمية محمد الرباحي لتسديد المبلغ كاملًا عبر شيك شخصي.
لكن المفاجأة أن المدير رفض الشيك وأغلق أبواب المراقد، بينما كان 213 مؤتمرًا ينتظرون خارج المجمع.
عقدت اللجنة اجتماعًا طارئًا وسط توتر كبير، خصوصًا بعد تسرب معلومات عن تدخل رئيس المجلس الجهوي لإفشال المؤتمر، وهو ما زاد تعقيد الموقف.
اضطرت اللجنة لطلب تدخل عامل الإقليم، فكلفت الأخ محمد الرباحي وعبد الرزاق بن شريج بمقابلته. جلسنا في قاعة الانتظار من الرابعة بعد الزوال حتى السادسة والنصف مساءً. وحين عرضنا القضية عليه، ابتسم قائلاً:
“ياك كتوصفونا بالمخزن… والمخزن…”، ثم أمر الكاتب العام للعمالة بالتدخل، ليقبل مدير المجمع الشيك بضمانة السيد العامل.
لقد كانت رسالة صريحة بأن “المخزن” قادر على فتح الأبواب أو إغلاقها.
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي
بعد تدخل “المخزن”
فُتحت الأبواب، وانطلق المؤتمر مساء يوم الجمعة 4 أبريل 2003 حوالي الساعة الثامنة والنصف ليلاً. بدأ المؤتمرون في مناقشة مسودات الأوراق التي أعدتها اللجنة التحضيرية في أجواء امتزج فيها الحماس بالتحدي.
لقد كان هذا اليوم تتويجًا لسنوات من التفكير والعمل الجادين، ومحطة تاريخية جمعت المفتشين والمفتشات من مختلف ربوع المغرب لتأسيس إطار نقابي موحد.
بين الماضي والمستقبل
إن تأسيس نقابة مفتشي التعليم في أبريل 2003 لم يكن وليد لحظة عابرة، بل ثمرة نقاشات دامت عقودًا، وجهود تنظيمية دقيقة، وصمود أمام عراقيل ومحاولات إفشال.
لكن بعد مرور أكثر من عقدين، تبدو النقابة اليوم أمام أزمة بنيوية حقيقية قد تهدد مستقبلها.
إن استحضار هذه التجربة التاريخية ليس مجرد حنين للماضي، بل هو دعوة صريحة إلى إعادة النقاش حول أسس العمل النقابي، وفهم ما حدث لاستدامة هذا البنيان التنظيمي المتميز وصناعة مستقبل أفضل لمنتسبيه
سأعود في الحلقة المقبلة للحديث عن أشغال المؤتمر التأسيسي الذي وضع اللبنات الأولى لنقابتنا.