ألبر كامو في طنجة
كل حوادث السير عبثية، الموت نفسه عبثي، وليست الحياة لوحدها عبثية.

بقلم: عبد الكريم أوشاشا
كان يوم جمعة في مدينة طنجة ، يوما أليما وحزينا، حتى السماء كانت تبكي وتذرف سيولا من الأمطار الغزيرة.
اليوم الذي تمّ فيه دفن جثمان شابة في مقتبل العمر، قضت في حادثة سير مروعة و.. عبثية؛
كل حوادث السير عبثية، الموت نفسه عبثي، وليست الحياة لوحدها عبثية.
” العبث موجود في كل مكان ” الجملة التي أطلقها كتاب البير كامي (Albert Camus) أسطورة سيزيف ، والذي يعتبر بيانا لفلسفته العبثية.
يكتب في بداية روايته الغريب ، وهي من أفجع مطالع الروايات حيث الكاتب يستعمل النقط بدل الفواصل ليرغمك على التوقف والتأمل:
” اليوم. ماتت أمي. أو ربما أمس. لست أدري. وصلتني برقية من المأوى: “الأم توفيت. الدفن غدا. احتراماتنا “. وهذا لا يعني شيئا. ربما حدث الأمر أمس . “
برودة تنفذ إلى العظام، ولا مبالاة قلّ نظيرها، فالرواية صدرت سنة 1942 في عالم موبوء بالحروب ومتخم بالجثث.
وسيموت ألبير كامي نفسه في حادثة سير عبثية موتا سريعا، عندما كان على متن سيارة يقودها صديقه ميشال غاليمار اصطدمت بشجرة، وعمره لا يتجاوز 46 سنة بعد ثلاث سنوات من حصوله على جائزة نوبل للآداب؛
كما سيتعرض الفيلسوف والناقد الأدبي الكبير رولان بارت وهو في عز عطائه النقدي والفلسفي لحادثة سير عبثية، صدمته شاحنة صغيرة وهو يعبر الطريق، بعد خروجه مباشرة من غداء مشؤوم مع فرنسوا ميتران زعيم الحزب الاشتراكي، حضره أيضا عالم الاجتماع والمستشرق جاك بيرك…
يتحدث فصل تحت عنوان : ميتافيزيقيا العبث، كيف نعيش ونحن يجب أن نموت ، في كتاب ضخم للفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي حول الحياة الفلسفية لألبير كامي؛ بأن الفيلسوف الفرنسي كان محكوما عليه بالموت: بسبب مرض السل الذي أجبره على رؤية الحياة بطريقة مأساوية، لأنه يحمل داخل قفص صدره مرض يقتل الأمل في إمكانية استعادة الصحة يوما ما. بهذه التشكيلة الوجودية فإن الفلسفة أو التفلسف ليس متعة وممارسة نظرية بل هي فن العيش على حافة الهاوية؛
كتب سنة 1937 : الجحيم هو الحياة مع هذا الجسد .
لكنه سينتصر للإبداع والخلق، الذي يمنح للمصير الانساني شكلا، وفي وقت لاحق سيعطيه محتوى جذريا للحرية ألا وهو : الانتفاضة ( la révolte ).
في اليوم الثاني لحادثة السير التي أودت بحياته صاغ سارتر ( Sartre ) الذي يفتقر إلى موهبة الصداقة، ويمتلك عبقرية النعي عبارات مثيرة للإعجاب حول هذا الاختفاء المفاجئ المفجع :
” إن هذا الترتيب البشري ما هو إلا اضطراب وارتباك مرة أخرى: هش وغير عادل…. بهذا الترتيب كان على كامي أن يعيش. هذا الرجل المتحرك التي يلقي فينا وعلينا ظلال الشك والسؤال؛ هو نفسه سؤال يبحث عن إجابة. عاش وسط حياة طويلة، من أجلنا، من أجله… كان من المهم أن يخرج من الصمت… يموت البعض وهو في أرذل العمر، والبعض الآخر مع وقف التنفيذ يمكنه أن يرحل في أية لحظة بدون أن يتغير معنى حياته أو معنى الحياة نفسها؛ لكن بالنسبة لنا، غير المتيقنين والمشوشين، كان على الأفضل الرجال فينا الوصول إلى نهاية النفق. نادرا ما تكون خصائص عمل وشروط اللحظة التاريخية تطالب بكل وضوح أن يعيش كاتب ما..”