مذكرات

يوسف الطالبي: محكيات الطاكسي في زمن كورونا (5)

منذ أن ترك آخر زبونة بحي باب احمر، استمر يهيم عبر أحياء سيدي يوسف بن علي، الطاكسيات بمحطة المصلى كثر حتى شكلوا صفين للانتظار، سلك شارع المدارس ليصل إلى مخرج شارع حمان، في أحايين يتوقف عند مدخل السويقة في انتظار خروج طالبين لوسيلة نقل، صادف وصوله هناك وجود شرطي أوقف دراجته النارية وأخذ ييسر اشتغال المدارة الصغيرة أمام أحد أبواب مقبرة باب اغمات، صرف النظر عن نية التوقف حيث كان ينوي، الشرطي لن يسمح له بذلك. وفي الحقيقة، ليس تجنب تكبد غرامات هو ما جعله يواصل السير، ولكنه يتفادى أي احتكاك بالبوليس، طريقة بعضهم في مخاطبة من يحملون علامات الانتماء إلى قاع المجتمع تكون بعيدة عن أي لطف، عبارات تحمل الكثير من العنف، لا يدري ربما هو انطباع يشاركه فيه الناس؟ أم أنه يبالغ في الأمر، وأن خوفه من البوليس خوف مرضي لا يستطيع حتى الآن التغلب عليه، أمه لما كان صغيرا تهدده بانها ستشكوه للبوليسي إن لم يحسن التصرف، “كعيك” كانت عبارة تحذير من اقتراب دورية للشرطة بالحي، يطلق الشبان سيقانهم للريح، وإن كانوا لم يقترفوا أي مخالفة، ولا يرجعون الى سمرهم برأس الدرب الا بعد التأكد أن الدورية قد ابتعدت، من كان يؤخذ على غفلة، اوخانته لياقته يهان ويضرب كطبل، يقتاد بدون جرم إلى مخفر الشرطة حيث يبيت حتى الصباح، ويخلى سبيله بعد التأكد أنه غير مطلوب، يعود لكن مبتورا من كرامته، عنجهية الشرطي ذي الشارب الكث و الأسنان الذهبية الذي كان يقطن غير بعيد من بيت العائلة، صورة فريق البوليس السياسي الذي زار بيتهم مرة يفتش بين الكتب والكراريس، البوليس الذي جعل من الكل مخبرا حتى الجدران. الوحشية التي اختبرها من البوليس خلال مشاركاته في التظاهرات التلاميذية أو الطلابية وأثناء انخراطه ضمن حركة المعطلين، كل ذلك لم يكن ليطويه النسيان دون أن يترك أثرا، يعلق بذاكرته كيف خاطبه شرطي خلال أسبوعه الأول بمهنة الطاكسي.
– آ تحرك قود عطيني بالتيساع من هنا.
صرف النظر عن التوقف حيث كان ينوي الوقوف، واصل السير عبر شارع الكولف (Golf)، قطع قنطرة واد ايسيل، وسلك الطريق المحادية للواد حتى تجاوز سوق الذبان، قاده المسير قرب سوق بولرباح، عادة يجود السوق بزبائن متبضعين لا يسكنون بعيدا، يحتاجون حمل أجربتهم التي ثقلت بما حوت من أغراض، رحلات لا تتعدى السعر الأدنى المحدد في سبعة دراهم، لا تستهلك لا الوقت ولا الوقود، وإذا ما تصادف الجمع بين زبونين أو ثلاثة يكون ربحها أفضل من الرحلات الطويلة.
من زقاق متفرع ينحدر من ديور الشهداء، خرجت سيدة مسرعة تحاول الوصول إليه قبل أن يبتعد، ما أن التقت نظراتهما حتى قهقها وارتخت أساريرهما، إنها زينب الزهيرية، تعود معرفته بها إلى سنته الثانية بمهنة سياقة الطاكسي، كان حينها يعمل زوالا ويتأخر في العودة إلى البيت حتى تدركه خيوط ضوء الصباح الأولى، خلال ساعات الليل يقف أمام العلب الليلية والكباريهات. كانت زينب شيخة بارعة في أداء العيوط الأصيلة، الحداويات، دامي، كبة الخيل، أيامك أبو عثمان، خربوشة، سيدي احمد، بين جمعة والثلاث…، كانت أحسن من يغني العيوط المرساوية على الإطلاق، ورغم أن الشيوخ يتنافسون على ضمها لمجموعاتهم، كانت هي تفضل العمل مع الأجواق، الشيوخ يطلبون منها أن تتنقل معهم إلى قرى نائية ومدنا بعيدة، عليها أن تمكث معهم من أول الليل إلى آخره، و أن تتحمل فضاضات البدو، لتصل إلى كرم محافظ نقودهم، قد تتحمل تسلل أناملهم الخشنة إلى ملابسها الداخلية، وفي النهاية عليها أن تقتسم بالتساوي مع الطعارجي والبنادري وهما اللذان قضيا الليل بين الطعام والثمالة و”الشقوفة”. الحفلات التي تنشطها الأجواق تكون في المدينة إن لم تكن في فنادق أو قاعات أفراح، فإنها تجري داخل رياضات، وفي الغالب لدى عائلات متحضرة، صحيح أن الأجواق لا يقدمون العيطة بطريقتها الأصلية التي تحبها هي، يبثرونها و يسرعون وثيرتها ويدخلون عليها آلات إلكترونية وعلبا إيقاعية وقارع طبول، لكن العمل مع الأجواق يمكنها من العودة إلى بيتها كل صباح و بعائد أفضل، ولا ينتهك حميميتها إلا من سمحت له ووعد بالدفع بكرم.
كانت تعرض مهارتها في ثلاث علب على الأقل، مدام بلازا وأطلس أسني ونادي الفروسية، يدوم عرضها ساعة في كل مكان، عملها يمتد ما بين الحادية عشرة مساء والثانية صباحا، تستعمل الطاكسيات في تنقلها بين أماكن عملها وبيتها، ومن تم توثقت علاقتها به، الهواتف النقالة كانت علامة حظوة اجتماعية لا يملكها إلا علية الناس، اتفق معها على مواعيد تحركها، كانا معا مرحين وصاحبي نكتة، فكان كل من جهته يجد زمن الرحلة متعة واستراحة. في مناسبتين جاملها بهدية، لكن في الحقيقة كان جميلها في رقبته أكبر، ساعدته بمبلغ ألف درهم لشراء أضحية العيد، وفي حفل زفاف أخته أحضرت الجوق بعد نهاية عروض الكاباريه، غنوا وأرقصوا، ألهبوا تلك الليلة بعدما كانت تسير على إيقاع طعاريج النساء فحسب، رفعت رأسه بصنيعها، وظلت أسرته وعائلته يتحدثون عن ذلك بامتنان وتقدير لقدراته على التصرف.
تنحدر زينب الزهيرية من دوار اولاد ازهير، من منطقة بين اليوسفية والواليدية تعرف بمول البرgي، منطقة محسوبة على قبيلة عبدة، زوَّجها أبوها في سنتها الثالثة عشرة لرجل يكبره هو سنا، حاولت أمها أن تقنعها أنه رجل تاجر، وأنها ستنعم معه بحياة مريحة، كان زوجها ذاك، يتاجر في الأغنام والدواب، يتنقل على مدار الأسبوع بين اثنين الوليدية وثلاثاء سيدي بوكدرة وأربعاء مول البركي وخميس المعاشات وجمعة سحيم وسبت كزولة وأحد حرارة، كان رجلا قوي البنية طويل القامة بشكل ملحوظ بالمقارنة مع طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، كانت تكره رائحة المواشي والعرق والتراب التي تقطع أنفاسها وهي تعد دقائق جولات الغرام، كان يضاجعها أكثر من مرة في الليلة الواحدة، وفي كل مرة كانت تتألم كأنها المرة الأولى، أطرافه، كل أطرافه، كبيرة تجعلها تحس بأحشائها ترتج حتى كأنها ستقتلع من مكانها.
بعد عام ونيف على زواجها، هربت زينب إلى آسفي بعد أن فشلت في إقناع والديها بإنهاء زواجها وتخليصها من ذلك السجن الذي رموا بها فيه، في آسفي ستشتغل خادمة في البيوت، تنقلت من عائلة إلى عائلة، أزواج وأبناء استمتعوا بها، كانت صبية غضة جميلة، حتى أصحاب المحال التجارية بالأحياء التي اشتغلت قطفوا من غلال ذلك الجسد الطفولي، كانت تطرب لسماع عبارات الغزل والصبابة، وتتلذذ بما يشكو لها منه الرجال من جفاء النوم لجفونهم، وتربعها على عروش قلوبهم، سنوات يفاعتها قضتها بين خدمة النساء وإمتاع الرجال، كأن الله خلقها آلة متعة، تمتع النساء بإراحتهن من أشغال البيوت، والرجال بتجديد فحولتهم، لعل عقمها الذي ستكتشفه بعد ذلك بسنوات، و هوى الغناء والرقص والنكتة كلها نعم أنعمت السماء بها عليها لتتوج رسولة الإمتاع والإسعاد.
قادت مسالك الحياة زينب الزهيرية إلى العمل في بيت الشيخة الكحيلة وزوجها الشيخ ولد الصولدي، هناك ستخطو خطواتها الأولى مع احتراف العيوط والرقص.
مع بداية العقد الثاني من هذه الألفية، تكون زينب قد أتمت الخمسين من عمرها، المساحيق والمجملات والشد تنهزم في معركة إخفاء توقيع الزمن، سرى ماء كثير تحت جسر العمر، وعجت سوق الغناء والرقص بصبيات وغلمان، وصار زمن العيطة كرسم دارس تتبول عليه الكلاب، بعض المشدودين الى زمن ولى، ممن لا يستطيعون تقبل مسوخ هذا الزمن، لا زالوا يصرون على أن الفن هو العيطة والفنانات هم الشيخات، ولأن الكباريهات لا تهتم إلا بما يجلب السكارى، فقد سايروا الذوق الكاسح، أغان كزمانها بدل الحب تتغنى بالكراهية، وبدل الوفاء تتغنى بالغدر وبدل التشكي من لوعة الصبابة ولهفة الشوق تتغنى بعدم الاكثرات للهجر والبعد، مخنثون صاروا نجوما يكثر عليهم الطلب، ويتابعهم على اليوتوب مئات الآلاف بل الملايين من الناس. لم يكن من خيار أمام زينب الزهيرية إلا أن تساير الطلب، وأدمجت غير قليل من أغان شعبية في ريبرطوارها، بدل “دامي” صارت تغني “الروج فالمالة سكري ودوشي”، واستبدلت “خربوشة” ب”شيفورك أحليمة شدوه جدارمية” وعوض “سيدي احمد” الطموبيل اللي ركبتي فيها”. صارت تغني دون روح، فهي تكره ما تغنيه.
خرجت من نادي الفروسية في مزاج سيء كان هو في انتظارها فقد طلبته على هاتفه قبل الموعد بربع ساعة، ترغب في أن يسلك طريقا طويلا، وأن يدخن معها لفافة حشيش. امام باب بيتها دعته للدخول ليشاركها شرب العشرين قنينة جعة التي أدى عنها ثمنها أحد المعجبين من السكارى، حاول الاعتذار لكنها أصرت
– أودي زيد نضحكوا شوية ومولاها ربي.
غيرت ملابسها وهيأت شروط جلسة ماتعة، كؤوس جميلة، وصحون صغيرة بها مملحات وفواكه وجبن أحمر وزيتون، في تلك الليلة سالت خمر كثيرة، حين استأذن بالمغادرة، اقترحت عليه أن يقضي الليلة عندها، فهو ثمل ولا يجدر به السياقة، قد يحدث له مكروه، أوقد توقفه دورية الشرطة، أدرك هو إلى أين يتجه هذا المسلسل، لم يخطر بباله ذلك قط، كانا صديقين وحسب، ولا ضير أن تكون زبونة أيضا، لكن أن يشاركها الفراش فذاك أمر لم يتوقعه، وعلى كل حال إذا كانت تقصد ذلك، وهو مجرد ظن حتى الآن، فليس من اللياقة أن يتخلى عنها إن كانت هي في حاجة لمن يؤنسها، يؤنبه الوعد بالوفاء الذي قطعه لحبيبته الجديدة، لكن زينب “بنت الناس وتستاهل أن يخدمها”.
كانت أسوأ مطارحة للغرام مرت عليه، كأنه ضاجع جثة امرأة ميتة، استنزافها لحواسها أفقدها كل تفاعل، عضلاتها الداخلية من فرط الاستعمال فقدت مرونتها ولم تعد تشد، ومجسات استشعارها ماتت وغار سائلها. لأيام بعد ذلك ظل يلازمه شعور بالغثيان، تمنى لو لم يقدم على ذلك، ليته توسل أي عذر ورحل، أدرك كم من الاستغلال تعرضت له، وكم كانت حياتها مريرة، لقد سمعها في أكثر من مرة تقول في مواقف مزاح، أن عدد مرات مطارحتها الغرام لرجال يفوق عدد أيام عمرها، أو عدد شعرات رأسها، كان يأخذ ذلك على وجه المبالغة الممازحة، لكنه بعد ليلته معها احتمل أن يكون المعنى حرفيا، تمنى لو حافظ لها على الصورة التي كانت لديه، لو لم يطلع على هذا الجزء من هويتها المستور تحت التبان، وشعر بتقريع أنه أيضا مجرم،
كانت تحتاج لسيارة أجرة لتذهب عند واحدة من النسوة ممن يطلبنها لمساعدتهن في القيام ببعض الأشغال، أشغال تنظيف وترتيب البيت، تحضير الحلوى، المرافقة إلى الحمام، منذ قررت الحكومة إغلاق الكباريهات والمراقص ومنعت إقامة الحفلات والأعراس، عادت زينب إلى عملها الأول الذي مارسته بعد الفرار من بيت العملاق الذي زوجت له، عادت إلى الخدمة في البيوت، كانت معظم مشغلاتها يعرفن ما تجره خلفها من بؤس ومرارة، كن لا يتعبنها ويجزلن لها العطاء، وفي نفس الوقت تسليهن وهي صاحبة النكتة والمواهب العديدة. لم تستفد زينب من أي نوع من دعم الدولة، فلا بطاقة الضمان الاجتماعي ولا بطاقة رميد، وحتى الطلب الذي أرسلته ضمن الصنف الثالث، تلقت جوابا يخبرها أنها لا تتوفر على شروط الاستحقاق لأنها ليست ربة أسرة.
انتهت طريق الرحلة، لكن حديثهما لازال يتزاحم، وقف أمام البيت المقصود ومكثا في السيارة دون أن تنزل، عادت بهما الأهواء الى عهد صداقتهما القديمة، انزلقت دموعها سريعة على وجنتيها، وأسرت له أن ما حل بها هو لعنة من الله على ما اقترفته من ذنوب وآثام، زنى وموسيقى وغناء ورقص وخمر، أخبرته أن أناسا يعرفون الطريق إلى الله دلوها عليها، نصحوها بالتوبة، والتحجب والإكثار من العبادة والاستغفار عل الله يغفر لها، انخرطت في موجة نحيب، وكان هو يربت على كتفها
– اختي زينب… انت انسانة طيبة…لا تتوانين في الاحسان للجميع حتى لمن أساء إليك…إخوتك الذين يرفضون أن تزوريهم في القرية لأنهم يرونك عارا يمس شرفهم يمدون أيديهم لما ترسليه لهم من مال…أنت ضحية أبيك الذي لا ندري كم قبض من التاجر ثمنا، وزوجك الذي اشتراك لعبة للاستمتاع، وكل من اشتغلت في بيوتهم رجالا ونساء، وكل من تقمص عليك دور المحب وأنت مراهقة تحتاج من يمسح على شعرها، الشيوخ الذين عملت معهم وأرباب الكباريهات…حتى أنا ظلمتك، بدل أن أصرخ ضد الظلم كيفما كان، عشت لسنين مما أجنيه من خدمتك. وأكثر من كل ذلك أنت ضحية هذا الوطن الذي تنكر لك واعتبرك لا تستحقين الدعم، انت ضحية كل من يشهد على مأساتك ولا ترتعش فرائصه، الجميع يا زينب ساهم في دفعك إلى ما انت فيه، وانقلب يدينك باسم التقاليد والدين والأخلاق والفضيلة والقوانين الجائرة، وإذا ما كانت حقا عدالة سماوية، فإننا جميعا لا محالة سيرمى بنا في السعير، وستتوجين أنت ملكة الجنان.
– طبع قبلة على جبينها… رفض تقاضي ثمن الرحة وانصرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى