وطني

هل تحرك جماعة العدل و الاحسان مياه السياسة الراكدة في المغرب؟

هل تشكل الوثيقة السياسية المرتقبة, مؤشرا على حدوث تحول في علاقة الجماعة بالدولة؟

 

لوسات أنفو : أيوب داهي

أعلنت الدائرة السياسية لجماعة العدل و الاحسان في بلاغ لها, عن تنظيم لقاء اعلامي تواصلي لتقديم وثيقتها السياسية , و قد حددت يوم الثلاثاء القادم (6 فبراير 2024) موعدا لذلك.

من الواضح ان خبر الاعلان عن وثيقة سياسية ”جديدة” قد يخلق نوعا من الارتباك لدى المهتمين بالشأن السياسي المغربي, لأن المعروف هو ان الجماعة تستكين في مرجعيتها و  رؤيتها الايديولوجية و مشروعها السياسي و فلسفتها التنظيمية  للبناء الفكري و المعرفي للأستاذ عبد السلام ياسين, الذي ينفرد  بكونه المنظر الوحيد لخطها, و كتاباته الغزيرة تعد مدخلا أساسيا  لفهم جماعة العدل و الاحسان.

يرتكز فكر  الاستاذ عبد السلام ياسين على بعدين أساسيين  يكثفان مشروعه المعرفي و يرسمان المعالم الكبرى لاختيارات الجماعة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الفلسفية, و هما بعد تربوي يراهن على خلق أجيال جديدة قادرة على تربية الرجال و النساء  تربية ايمانية احسانية تطمح الى ادماج الجوانب العاطفية و الفكرية  و الحركية  في جسم واحد مستحضرة  الجوانب الدنيوية و الاخروية. و بعد سياسي يتمثل في اقامة نظام الخلافة على منهاج النبوة.

بناءا على هذه الاحالة  المقتضبة, فلجماعة العدل و الاحسان اذا, اطارها المرجعي و مشروعها المجتمعي  الذي تستند عليه  في خطابها و في سلوكها السياسي, فما الحاجة  الى وثيقة سياسية جديدة ؟ . من هنا فان  بلاغ الدائرة السياسية للجماعة يدفع الراصد لسلوك الفاعلين السياسيين, الى نحت  عدد من الملاحظات الاساسية, المرتبطة تخصيصا  بتحول ممكن في الاختيارات الكبرى للجماعة.

أول ملاحظة هو ان  انتاج وثيقة سياسية, يفترض وجوبا انها ستحمل مستجدات على الاقل على مستوى الرؤية السياسية للجماعة. و الحال ان الاستاذ عبد السلام ياسين كان قد  انتج مشروعا مجتمعيا يعتبره أنصاره متكاملا , ضمنه مواقف الجماعة من السلطة السياسية و تصوراتها لشكل الدولة و المجتمع. و هنا يطرح السؤال, هل تتجه الجماعة للتخلي عن مواقفها المتشددة اتجاه السلطة في المغرب, كما نظر لها مؤسسها في كتابيه الشهيرين, ” الاسلام او الطوفان” و ” الى من يهمه الامر” ؟ و بالتالي التخلي عن ارثه,  مادام ان  التوتر و الصدام الذي يسم اليوم العلاقة   مع السلطة  قد حُلل من قبل البعض على أنه  اضعف الجماعة  و انهكها, و قد  يكلفها البقاء على هامش الحياة السياسية لفترة اطول.

الملاحظة الثانية هو ان مؤسس الجماعة كان توفي في ديسمبر 2012 اي بعد التعديل الدستوري لسنة 2011, و منذ ذلك التاريخ الى اليوم اي منذ حراك 20 فبراير, لم يعرف المغرب حدثا سياسيا بحجم هذه الحركة المجتمعية التي دفعت الدولة الى فتح ملف الدستور, باستثناء حراك الريف و ما تلاه من اعفاءات لبعض الوزراء. الشاهد هنا هو ان الوضع السياسي ظل جامدا على طول هذه الفترة بل في  كثير من الاحيان اتجه الى الانحباس, و هو ما  يعني ان اطروحات الجماعة خصوصا السياسية منها لازالت راهنية و منسجمة مع الواقع الحالي.

ثالث الملاحظات حسب وجهة نظرنا, هي ان الجماعة ترى في نفسها مؤهلة لقيادة دفة البلد, بالنظر الى انها جماعة مغربية أصيلة, لها مشروعيتها النضالية في المجتمع و تصنف  الجماعة الاسلامية الاولى في المغرب. كما انها تمتلك من المؤهلات البشرية, أطرا و كفاءات, في مختلف المجالات ما يؤهلها لذلك, و بالتالي لا غرابة في ان يتشكل طموح  داخلها و خصوصا جيلها الثاني, في ان الوقت قد حان كي تدخل الجماعة غمار السياسة من موقع تدبير الشأن العام, و في سبيل ذلك لابأس من تقديم  بعض التنازلات تعجل من التقارب و تسرع من تحقيق التوافق مع الدولة. و اذا استحضرنا هنا  التصريح الذي كان قد ادلى به وزير الخارجية السابق صلاح الدين مزوار سنة 2019, و الذي اعتبر فيه ان الاسلاميين هم القوى الاكثر تنظيما في منطقة شمال افريقيا, فهذا عامل اخر قد يغذي شعور الغبن جراء الاستبعاد, الذي قد يسكن جماعة العدل و الاحسان و يعزز قناعتها بأحقيتها في تزعم المشهد السياسي بالمغرب.

رابع الملاحظات هو ان الدولة في اطار سياستها المعتمدة على خلق اوراق سياسية,  بعد ان استنفذت اغلب فاعليها, -و هذا أمر تدركه جماعة العدل و الاحسان جيدا- فهي تنحو دائما نحو ضخ دماء جديدة  في الحياة السياسية, و من أجل هذا الغرض الحيوي, الذي يضمن لها الاستمرار  قد تعمل على استمالة الجماعة و الزج بها في معترك اللعبة السياسية.  هذا الامر سيبقى طبعا متوقفا على مبادرة الجماعة و التعاطي الايجابي لها مع الدولة من عدمه, و قد تكون اولى الاشارات هو هذه الوثيقة السياسية التي سيتم الاعلان عنها يوم 4 فبراير 2024.

في الاخير تبقى هذه مجرد قراءات في المسارات التي يمكن ان تختارها جماعة العدل و الاحسان, لكن الاكيد ان تحول  الجماعة الى حزب سياسي قانوني و دخولها  حلبة الصراع  الرسمي سيغير جذريا بنية المشهد الحزبي, و قد يجذب معه تعبيرات يسارية  راديكالية اخرى منفلتة من قبضة الحقل السياسي الرسمي و يدخلها غمار اللعب السياسي المكشوف.

الاكيد هو أن هذه الخطوة, ستحول المشهد الحالي من مشهد  مبلقن موسوم بتحالفات غير مفهومة  في كثير من الاحيان, الى مشهد عنوانه  تعدد الأقطاب السياسية و الايديولوجية.

ان الرجة التي قد تحدثها الجماعة في حالة دخولها  اللعبة السياسية, ستدفع لا محالة   بقوى اليسار الى الانتظام داخل قطب واحد يزن بثقله هو الاخر داخل المشهد السياسي المغربي لمواجهة الاسلاميين الجدد , و قد تكون هذه اول خطوة نحو بناء التجربة الديموقراطية المغربية.

فهل تفعلها  جماعة العدل و الاحسان و تحرك  مياه السياسة الراكدة في المغرب ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى