مبدعون في الحياة

نوتوهارا: من القاهرة إلى مراكش

المثقف العربي، الفاعل والمجال ومعضلة القمع

لوسات أنفو: سامي صبير

كتب الياباني “نبوأكي نوتوهارا”، قبل نحو ثماني سنوات من حراك شوارع دول الشرق الأوسط، مصر، تونس، اليمن وشمال إفريقيا، المطالبة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتغيير، كتابا تحت عنوان “العرب وجهة نظر يابانية”، حاول من خلاله وصف تأمله في الشخصية العربية المعاصرة التي احتك بها لأربعة عقود، من خلال تجربة مباشرة ليفهم كيف تدار وتدبر السياسات العمومية ومواجهة المعضلات في مجتمعات المنطقة المختلفة في شكلها والمتشابهة في عمقها.

نوتوهارا .. العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان

كانت وجوه الناس تدخل إلى عيني وهم يمشون وكأن شيئا يطاردهم، وجوه جامدة صامتة، وطوابير طويلة من الواقفين أمام “الجمعية” (الادخار التشاركي – القُرعة)، ومواقف الباص وغيرها…، وباختصار التوتر يغطي الشارع، حيث تتوقع أن ينقطع في أي لحظة، هذا التوتر يجعل الناس يتبادلون نظرات عدوانية ويزيد توتر المدينة نفسها أكثر فأكثر، بهذه الكلمات يصف “نبوأكي نوتوهارا” المشهد في شوارع القاهرة.

اعتبر أن هذا التوتر الذي يتدحرج في الشارع ويكبر ككرة ثلج، يخفي وراءه مشكلتين أساسيتين القمع وغياب العدالة الإجتماعية مما يؤدي إلى الفوضى واحتقار العامة كرد فعل معاكس، فيصف مشهد الناس أثناء زيارته لمصر وهم يقفون في صف طويل أمام باب قسم الهجرة والجوازات، “كان الجميع يقفون تحت الشمس الحارقة بصمت.. والموظفون الحكوميون لا يبالون بالناس…، وهناك استثناء لمن يعرف أحد الموظفين، عندئذ يتم إنجاز المعاملة بسرعة، ويضيف؛”كنت أسمع في التلفزيون والراديو وأقرأ في الجرائد كلمات مثل: الديموقراطية، حقوق الإنسان، حرية المواطن، سيادة الشعب وكنت أشعر وأنا أتابع استعمال تلك العبارات أن الحكومة لا تعامل الناس بجدية بل تسخر منهم وتضحك عليهم”.

وأشار إلى أنه “تحت ظروف غياب المبدأ الأساسي الذي يعتمد عليه الناس، وهو العدالة الإجتماعية، تتعرض حقوق الإنسان للخطر، ولذلك يصبح المرء هشا ومؤقتا وساكنا بلا فعالية”، حيث ينتقل من فاعل تنموي يساهم في إدارة وتدبير المجال إلى مواطن لا يشعر بالمسؤولية تجاه الممتلكات العامة وأفراد المجتمع الآخرين.

تتنقل صفحات الكتاب بين أرصفة شوارع القاهرة والأرياف وشعاب الشام وصحراء البدو القاحلة ومحطات القطار في المغرب، ومن داخل مكاتب الإدارات العمومية إلى غرف النوم والسجون، في رحلة بعيون وانطباعات يابانية، تتبع التفاصيل وتحاول إيجاد تفسيرات لها، ويحمل بين طيات الصفحات نظرة نقدية إلى حرية التعبير والوعي بالمسؤولية والمشاركة في التدبير والحكامة.

ذكر “نبوأكي نوتوهارا” عدة مشاهد عن الحياة المعيشية اليومية لمجتمعات الصحراء والمدن العربية من خلال متابعته لها ضمن مشروع لتعلم اللغة العربية والترجمة لليابانية، لكنه كان يركز أكثر على سماتها المشتركة والتعبيرات، وسلوكيات الناس في الشارع وانفعالاتهم مع الخطاب الرسمي وشكل السلطة وتبعاتها، أما على مستوى الحق في الولوج إلى المعلومة وحرية التعبير فيقول نوتوهارا: أذكر عشرات الكتب الممنوعة في البلدان العربية، أدبية فكرية دينية، بدءا برواية المغربي محمد شكري (الخبز الحافي)، إلى الثالوث المحرم لبوعلي ياسين…”.

وفي القمع والعنف يقول نوتوهارا متأثرا بمحمد شكري، “بعد السجن يأتي العنف بكل أشكاله، ضرب الزوجة مثلا، ضرب الآباء لأبنائهم، عدوان الأولاد الأقوياء على الأطفال الصغار”، كما أورد شكري بأسلوبه الأدبي في رواية الخبز الحافي، “عندما أكبر ستكون لي امرأة. سأخاصمها في النهار بالضرب والشتم، وأصالحها في الليل بالعري والعناق. إنها لعبة جميلة هذه، ومسلية بين الرجل والمرأة”.

ويعارض الكاتب مصادرة حق الآخرين في التجديد وشكل المعارضة القائمة في المنطقة فيقول: “إن المعارضة في القائمة في البلدان العربية هي في حقيقتها سلطة ضد سلطة أو سلطة مضادة تطمح للسيطرة على الحكم دون أن تقدم مشروعا مغايرا لمشروع الحكم المسيطر.. ففكرة التأبيد لا تقتصر على رجل السلطة الكبير وإنما تشمل قادة الأحزاب التي يفترض أنها في المعارضة، والأحزاب في المعارضة من المفترض أن تحمل مشروعا مناقضا لمشروع السلطة القائمة ومختلفا عنه، وإلا فإن المعارضة تصبح سلطة تنتظر دورها في السيطرة على الحكم استلاما يؤبد المشروع السائد”.

إغواء المجهول وحياة الهامش

بدأت علاقة “نبوأكي نوتوهارا” بمجتمعات الشرق الأوسط والشعوب الناطقة بالعربية، في العام 1961، بعد أن قضى أربعة سنوات طالبا في قسم الدراسات العربية بجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية، حيث كانت بوابته للإطلاع على كتابات محمد شكري، وعبد اللطيف اللعبي، ونجيب محفوظ إلى جانب غسان كنفاني، وعبد الرحمان منيف، صنع الله إبراهيم وقصص ابراهيم الكوني وغيرهم، ومن خلال أعمال هذا الأخير الأدبية يقول: “رأيت البادية، أو على الأقل وجدت البادية…، عالم غني”.

تتلخص أفكار كتاب نبوأكي نوتوهارا “العرب وجهة نظر يابانية” في تحليل مناهج وآليات القيادة والتدبير في المجتمعات العربية، وعلاقة المواطن بباقي المتدخلين المحليين وحدود مشاركته في صنع القرار في مجالات جغرافية متنوعة، وما ينتج عن وضع مجتمعي يعيش حالة من الاستفراد بسلطة القرار لحل المعضلات التي تواجه المجتمع ونفي أفكار الآخر، وكذا محاولته الوقوف على الأسباب التي من شأنها أن تعيق إرساء الديمقراطية في المجتمعات كحرية التعبير والمسؤولية والشفافية وسوء التدبير، والتي عاشها كحوادث أو مشاهد من الحياة الواقعية وذلك من خلال رصد حالات مختلفة لمجتمعات المنطقة إما بالاتصال المباشر أو عن طريق قصص وروايات وأفكار كتاب ومثقفين من ليبيا ومصر والمغرب، والحركة الاجتماعية لتلك الشعوب في تميزها وتشابهها.

من الوقائع التي تضمنها في الكتاب خلال الإقامة في مصر للتعبير عن فكرة مؤسسات المجتمع المصري عن الشأن السياسي والتدبيري يقول نوتوهارا: مرة كنت أستمع إلى حوار لطالب مصري يتحدث عن تجربته في اليابان ومشاهداته، حيث تحدث عن المواصلات في طوكيو وعن تنظيمها ودقة مواعيدها وقارن بينها وبين المواصلات في مصر، عندئذ قال الطالب معلقا لا بد أن نتعلم من تجربة اليابان، لا بد أن نغير كل نظامنا، فجأة قاطعه المذيع قائلا: الكلام عن تغيير النظام غير مسموح به. عندئذ التفت بدوري إلى كلمة “نظام” وتذكرت كم هي حساسة وخطرة.

سمح اطلاعه على القصص القصيرة وروايات الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، بالانفتاح على ثقافة وبيئة الصحراء والتعرف على تفاصيلها الناطقة والصامتة فيها، وأساطيرها ومخيال أهلها، وعقلية الطوارق، وحياة التحرر من السلطة البشرية واختيار أساليب حياة تتناسب مع ظروف خضوعهم إلى سلطة الطبيعة، مما منحه فرصة للتعرف على مجال غير المدينة وهوامشها والضواحي.

المثقف والإعلام كفاعل في المجال

يلعب المثقف والإعلام في المجتمع دور الرقابة والتقصي والرصد والتوعية باستكشاف نقاط القوة والضعف، لتمكين الفاعل في مركز قرارات السياسات العمومية وباقي الفاعلين النشيطين، من التوجه لاختيار قرار واعي يحقق الإجابة عن متطلبات التنمية، ويعد رد فعل المجتمع مقياسا للكشف عن نجاعة وأثر هذه الاختيارات.

يحاول نبوأكي تفسير التوتر الطاغي على سلوكيات شخصيات كتابه بين شوارع المدن من القاهرة شرقا ومراكش غربا، كرد فعل عن شكل الحكم وطريقة التدبير الذي يضعهم في درجة دونية تحرمهم حق المعلومة والوعي بمعضلاتهم والمشاركة في صياغة القرار، معلقا “إنني أفهم معنى أن تضحي السلطة بأفراد متميزين ومفكرين وأدباء وسياسيين وعلماء…، ولكن لماذا يضحي الشعب نفسه بأولئك الأفراد؟”.

في هذه التجربة التي يترحل خلالها الكاتب الياباني بين صفحات الروايات العربية والواقع داخل خيم البدو وحقول البادية وأرصفة المدينة، حاول الوقوف على مميزات تدبير المجال القروي والصحراوي بخصوصياته وميزات حالة الفقر فيه المتمثل في الجفاف وتعرضه المجرد والمستمر لتقلبات الطبيعة، وبين معيار الفقر في المجتمعات الصناعية ومجتمع المدينة، والمهام المطلوبة لمعالجة مشاكل المنطقة بناء على خصوصية معانيها وارتباطاتها.

مكنت كتابات محمد شكري وخصوصا رواية الخبز الحافي، من نقل الصورة بأسلوب أدبي واقعي لأثر حياة الهامش، فنقلت لنبوأكي عبر شخصيات السيرة الذاتية لشكري معاني المخيال الشعبي، وواقع الحال خلال مرحلة الاستعمار الإسباني لشمال المغرب، مرورا بالمجاعة وحياة المدينة والهجرة الداخلية وتحدياتها وشكل الأسرة الريفية المهاجرة خلال تلك الفترة وحياة الصفيح، بينما نقلته “شخصية مصر” للكاتب جمال حمدان، والسعودي عبد الرحمن منيف من خلال مدن الملح، والليبي إلى عالم البدو وعيش الترحال في الصحراء والتعرف على نموذج شخصية البدوي والخيمة وطريقة تدبيره لمجاله وكيف يجيب عن اتصاله المباشر معه، على اعتبار أن البداوة هي أن يعرض الفرد نفسه للطبيعة بلا غطاء.

وجد نبوأكي في محاورته للأديب المغربي، عبد اللطيف اللعبي، ككاتب موقف ومؤلفاته خصوصا كتابه “رسائل السجن”، الذي قدمت ترجمته لطلاب السنتين الثالثة والرابعة في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية، نموذجا للكاتب الذي “تحدى بشجاعة فائقة من أجل الحرية، وتحمل بإرادة ثابتة معاناة استثنائية لكي يشارك البشر الآخرين في جهودهم لصياغة مستقبل حر يليق بالإنسان”.

بشكل متناقض مع حالة الفرد العدواني المحروم من المشاركة والذي لا يشعر بمسؤوليته عن الممتلكات العامة ويدمرها اعتقادا منه أنه يدمر ممتلكات الحكومة لا ممتلكاته كرد فعل عن شعور بالإقصاء، والذي احتك معه الكاتب الياباني مباشرة خلال تجربته في مدن المنطقة، وإنسان البدو المترحل. يقدم نبوأكي حالة المثقف في مواجهة الكتابة والقمع والحرية، فيقول: “اللعبي ككاتب عربي أو عالمي يمثل بالنسبة لنا نحن اليابانيين قيمة كبيرة لأنه ككاتب، تحدى وانخرط في الفعل ودفع الثمن باهظا”.

وعلى الجانب الآخر من الخريطة شرقا، وجد الكاتب إلى جانب جمال حمدان، أعمال الكاتب المصري يوسف إدريس التي تصور خصوصية شعب مصر وريفها وما يميز تصور الفرد الذي يعيش على ضفاف النيل، ورصد قصصه لموضوعات تمثل جوانب خطيرة من حياة المجتمع، فيقول منتصرا له: “يوسف إدريس فهم من قراءته للأدب العالمي والثقافة العالمية أن هناك علوما تعمق فهمنا للإنسان وتساعدنا على إدراك قوانين المجتمع”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى