روبورتاج

نساء واوزكيت: الزربية إمكانية أخرى لنسج الحرية

أو فيما يجعل المرنيسي مفتونة بالزربية

لوسات أنفو؛ عادل أيت واعزيز

لم تكن والدتي تعلم حينما تضع المغزل بين أصابعها، أنها تقود الكون نحو أقاصيه الجمالية، و حين تقبض رزمة خيوط ملونة على راحة يدها، وتنسج بأناملها، تكشف سراً من أسرار الطبيعة. ولأن والدتي لا تعرف القراءة والكتابة، إلا أنها دوما على مسافة من تاريخ الإستطيقا والموضوعات الجمالية، أحيانا تتقاطع معها، وأحيانا تُسْقـِط أكبر النظريات الجمالية على زربيتها. هذا دون أن تدري!

تقول والدتي أنها ورثث نسج الزربية من والدتها، كذلك هو الشأن بالنسبة للنساء الأخريات، ظللن يتوارثنها أمًّا عن جدة. فكانت فنا نسائيا يقظا، يعبر عن ذروة عصور نابضة، لم تنسحق أو تختنق تحت ثقل عقيدة أو فكر محدد، ورغم أنها تختلف من قبيلة لأخرى، إلا أنها تعكس وعي الإنسان الأمازيغي وممارساته الفنية. تستمر والدتي في الكلام:” توجد أصناف زرابي لايمكن بيعها، ونفضل الإحتفاظ بها، أو إهدائها.”

أسرار الخيوط والألوان

حين نتحدث عن منطقة واوزگيت، فإننا نلتقي في نقطة التقاء سلاسل جبال الأطلس الثلاثة، التي تضم مجموعة اتحادية من القبائل الأمازيغية، أرادوا من الزربية أداة إرشاد ملزم، وتعبيرا حرّاً لأمل ثوري مجنون. هكذا هن نساء واوزگيت، ووالدتي إحداهن، اتخذن من الزربية فنا مشتركا يحاكي الطبيعة والحياة، وشكلا واقعيا يجعلنا ننسى مضمونه المحافظ، ثم لانفصالها المفاجئ عن كل عمل ذكوري.

تستمد الزربية الواوزگيتية قيمتها الجمالية من الإحتكاك المباشر للنساء مع موجودات الطبيعية، فيخرجنها من حيزها الطبيعي إلى الخام، وفق قواعد وضوابط ذاتية، تشكل فيها أناملهن نقطة أرخميدية تبوصِل ممراتها بين الخيوط، غايتها الإمساك بحقيقة أنطولوجية، تفسح مسالك الجسد كي ينسج بحرية.

وهي تحاكي الطبيعة، تعلن عن تفاوض مع أشجارها ونباتاتها وفاكهتها ومعادنها، تارة تستخلص من قشور الرمان والحناء اللونين الأصفر الغامق والفاتح، ومن نبتة الفوة اللون الأحمر، أما اللون البني فيحصلن عليه من جذور الصفصاف، مع تفاوتات في ألوان الصباغة، حيث لكل لون مكانه الخاص على بساط الزربية، كل على حدةٍ. بالنسبة لمنطقة تازناخت، تولي المرأة اهتماما للألوان الزاهية والمشرقة كالأحمر والأصفر والأزرق، كما قد تقتبس صور حيوانات محيطها رموزا للزربية، كالجمل أو القط أو الدجاج، وفي الغالب تزينها بزخارف وقطع حُلِي تحمل تاريخا طويلا من الهوية الأمازيغية، “كتاخلالت”، أو “تزرزيت”، وبأشكال أخرى هندسية، كالمكعب الذي قد يتوسط الزربية كمراَة انعكاسية، يتبادل فيها المتأمل والزربية نفسيهما معا.

لولا فاطمة المرنيسي..

وفي اتجاهنا للمركز النسوي لإنعاش زربية تازناخت، حدثتنا رئيسة التجمع ذات النفع الإقتصادي- تكضيفت تازناخت- لطيفة الداودي في تصريح خاص لـلوسات أنفو؛ « نحن الآن نسعى لنعيد القيمة للزربية وجودتها، فهناك وحدة لإنتاج الخيط، حديثة العهد وفي طورها لتكون مجهزة بالكامل، حيث ستتمكن النساء فيها من العمل على صوف سيروا، الذي يعد ثالث أفضل صوف في العالم، والذي يأهل للحصول على خيط رفيع». تضيف لطيفة: «أن اليد التي كانت تغزل الصوف بدأت في الزوال، وقِلَّتُهُ معدودة ومحصورة بين عجائز المنطقة. هذه الوحدة تشير الداودي أنها ستحسن وضعية النساجات، اللاواتي بدأ عددهن يتراجع بعد أن كان عددهن 22 ألف نساجة، بسبب العزوف، وأيضا للثمن البخس الذي تحصل عليها المرأة، فإذا أردنا أن نقوم بعملية حسابية، فإن المرأة لا تحصل سوى على 5 إلى 10 دراهم في اليوم الواحد (أقل من دولار)».

وعن دور المركز النسوي لإنعاش زربية تازناخت، أشارت لطيفة، أنه يكمن في تسهيل تسويق المرأة لمنتوجها».

ويضم هذا المركز أروقة متنوعة من الموروث المادي للمنطقة، من الآواني إلى الألبسة نحو الزرابي المعلقة والمؤثثة لجدران المركز. ولم تكن فكرة إنشاء هذا المركز حاضرة في أوساط التازناختيين إلا بعد الزيارة الأولى للكاتبة النسوية وعالمة الإجتماع فاطمة المرنيسي سنة 1984، حيث أقلقتها الخيوط الواوزگيتية، وشغلها فضول اكتشافها، وهي التي ألفت فيها مقالات ومؤلفات، تحكي عن قصص نساء تازناخت، أحدها مؤَلف أحمد فريد مريني”الخيط الخفي للنسوية”، يروي فيه علاقته مع المرنيسي وعلاقة الخيوط التي شكلت انطلاقة لصداقتهما. في الخيط الخفي للنسوية تصر المرنيسي يقول فريد مريني أن يصبح النسج أو التطريز، تعبيرًا عن تمرد، ووسيلة لانفلات المرأة من حدود النظام الأبوي، لبناء هويات نسائية.

تؤكد لطيفة الداودي، أن المرنيسي لعبت دوار كبيرا في الدفع بنسج الزرابي، حيث رافقت بعض النساء النساجات لمعارض وطنية ودولية، مبينة كيف التقت بنساء أحياء ودواوير تازناخت، وأقامت علاقات استثنائية معهن، وشدت بيدهن وبالزربية، إلى خارج البلاد، بعد أن أُعجبت عالمة الإجتماع المغربية بالزربية والمرأة الواوزگيتية، كما كان لها الفضل في تقديم ملتمس كي يتم إنشاء هذا المركز».

الزربية أفقا للذاكرة

عبر هذه الجسور تصوغ المرأة الواوزكيتية مشاهد إبداعية، لاتشترط سوى العودة لأعماقها المبطنة، وتغوص بخيالها حتى تقتحم حدود لا تصلها اللغة ولا الصوت، تأخذ فيها المشاعر صورا تتنحى فيها المسافات والقياسات والأحكام والشرائع. وقبل ردح من الزمن كانت الزربية تعبر عن مآلات المرأة المتزوجة وحالتها النفسية، وتظل ترسل عبرها رسائل لذويها، وأحيانا تعبر عن الوضع الإجتماعي والإقتصادي لأسرة ما أو قبيلة ما، تتحرر خلالها من رتابة الحياة، وأخرى غاية في ذاتها، لاتتحقق استعارتها إلا مع النساجة، فكّ شيفرتها يستدعي تأملا متأنيا، كما تفعل وأنت أمام لوحة الصرخة لإدوارد مونش، أو إصرار الذاكرة لسلفادور دالي، تعود من مياهها مضمخا بسوائلها. إنها ذاكرة ووثيقة تاريخية ورواية، تؤسس له اليد.

اليد التي تحدث عنها أرسطو، وساطة الإنسان في محاكاة الطبيعة، وهي نفسها اليد التي أصبحت مع كانط هاجسا لمخرج ترانسدنتالي لاتجاهاتها في أفق الذات، فهي ليست عضوا خارجيا فحسب، حينما انتقلت مع هيغل، ومن ثم هيدغر، من كينونة اليد إلى مستوى العلامة، من مجال الأداة/الآلة، نحو اليد/العلامة، بوصفها تجليا من تجليات الروح.

هكذا هي الزربية الواوزگيتية، تدفعنا إلى نشوة التأمل و الإندهاش، من يد صارت أكثر من كونها مجرد يد، إلى حركة لفعل الحرية ورغبة الجمال، تمتع العين و تحرر الحواس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى