ثقافة

مَّـوال حمَّــادَة وغرْبَالْهـَـا …قراءة في مسرحية ” خلخال و غربال”

 المتابعة النقدية: د، عبد المجيد اهرى

 «بناقـوس وطــارة وأكـوال هـواري لجـرات العـادة.. أحمـادة»

 اتجهت العديد من الفرق المسرحية المغربية في السنوات الأخيرة إلى النهل من معين التراث الثقافي، في محاولة لاستثمار ما يتميز به من أشعار وحكايات، وتقاليد وعادات، وأغاني وشخصيات، من أجل توظيفها وفق تشكلات فرجوية متجددة، تتأسس انطلاقا من تصورات جمالية ومشهدية معاصرة. ومن بين الفرق المسرحية التي ألقت دلوها الجمالي في معين التراث الثقافي، نجد فرقة فانوراميك لفنون العرض المراكشية، وذلك في سعيها إلى إعادة تشكيل حكاية (حمَّادَة) – في مسرحيتها <خلخال وغربال>  – التي تؤسس لوعي جماعي وذاكرة جمعية لقبائل هوارة وأهلها.

مسرحية <خلخال وغربال>من تأليف الدكتورة نزهة حيكون، ومن إخراج الفنان عادل أبا تراب، ومن تشخيص: جميلة الهوني وكمال كظيمي وفاطمة الزهراء شتوان وأنوار البونية وعلال خودار وفيصل كمرات ومحمـد أيت الوراق، وصمم سينوغرافيا العمل الفنانة سناء شدال، وكتب كلمات أغانيها وألحانها الفنان مولاي عبد العزيز الطاهري، وساعد في الإخراج الفنان محمـد رضا لمنادي، والمحافظة العامة للفنان محمد القصير، والإدارة الفنية والإنتاج الفنان مصطفى دوادة، ومن إنتاج مسرح محمـد الخامس.

وتحاول المسرحية أن تعيد نسج خصوصيتنا الثقافية، وذلك بغزل لغة مسرحية درامية تمتح من تعبيراتنا الثقافية والفرجوية، وذلك بإعادة تشكيل حكاية تنبع من وعينا الجمعي،وبإبداع كلمات وألحان لأغاني تمتح من معجم التراث الثقافي.وكل ذلك في استعادة لاحتفال تقليدي مغربي هو (حلفة يوم الشرشمة) حيث تطلق النساء الزغاريد، ويجتمع الجميع في انبساط ودعابة، في أجواء كلها غناء ورقص، احتفاء بفرحة الأطفال الذين تنبغ أسنانهم، ويكونوا قد شبعوا من وجبة الشرشمة، في الوقت ذاته يكون الجميع قد عقد رجاءه وتمنى سعده في (بياض الشرشمة)، عسى تتحقق الأماني في القادم من الأيام.

وتستعيد مسرحية <خلخال وغربال> ومضة عشق عجيبة، نسجتها الذاكرة الشفاهية الهوارية،فتدفقت بها عيوننا التراثية، لكي تروي لنا حكاية وتروينا غناء، فنرقص على إثرها في طقس (الشرشمة)، ونضع بدورنا (البياض) بحثا عن (السعد)، وطلبا لذلك الحظ، شأننا في ذلك شأن (حمادة) التي تنبش في الشرشمة متجاوزة أعراف الطقس، بحثا عن ذلك الخلخال الذي سيضبط إيقاع (غربالها)، ليدلها على (حماد)، ذلك الوصال الذي يماطلها منذ سنوات، بعد ما تركها (فَفْـرَاشْ نْفَـاسْ)، تقول حمادة:

  • حمادة: غادي نلقاه، والله حتى نلقاه.. حمادة غادي تلقى حماد.

بينما تغني المجموعة وتذكرنا بحزن حمادة وشدة صبرها:

علاشسرقت منك لهوال… ضحيكتك وزمانك الزوين

وما بقى من صبر تغتال… ولين نعطيها يا ربي لين

ما يدوم حال أحمادة ما يدوم حال

مخبية من وراء غربال… مطلية بغبرة الطحين

تتسنى يبان الخلخال… اللي ما ظهر مدة وسنين

وتذكرنا أيضا بذلك السر الذي يحمل اسم (عيشة)، وتلك ذروة المسرحية حيث يحدث التحول:ففي لقاء (حمادة) واكتشافها بكون (عيشة) هي ابنتها بعد ما سمعت منها أغنية السر التي أهداها إياها ذات يوم (حماد)، لتكتشف ايضا (الخلخال) في قدمها، تلك الهدية التي طرزتها ذات يوم (حماد) لها عربون محبة ووفاء. إنها تسمع (عيشة) تردد هاته الأغنية، قبل أن تنخرط معها في تردديها، في لحظة مسرحية يقع فيها التحول من الجهل إلى المعرفة من الشقاوة إلى السعادة بتعبير (أرسطو) في فن الشعر:

ألالة يا لالة ملي كنشوف.. لحمام فراس النخيلة يتغازل ألالة يا لالة

كيفيق فيا لغرام ألالة

نتخايل مع غزالي متقابل نتبادلو السلام

هاك أمايلو حنة مدة وأنا نستنىلفيم كله بنة والصدر..

يا قديمات الحنة لغزالة تستاهل

فصباعك لمفاتل وفي يديك سراتلوفرجليك خلاخل

وإذا كانت المسرحية في بنياتها الدرامية، قد طرزت حواراتها وأحداثها بتوظيف معجم تراثي مغربي، من قبيل المفردات المغربية العتيقة التي تشكل مقامات أغنية (تعوالي) في المسرحية:

أنا ما سمعت كلمة ماما… وما رضعت ولا كمط

ولكبيداتي ما عقدت تمامة… ولا كصيصة ولا كرن مشط

ما طليت حنة أو خزامة… ولا لباسلعيد تخيط

فإن المسرحية تثير مجموعة من الخطابات من قبيل خطابات الوفاء والحب التي تشكل روح الحكاية التراثية المتوارثة بين قبائل هوارة وأهلها، حيث يروي وعيهم الجمعي، وتجود ذاكرتهم الشفهية عن هذه الحكاية تعتمد السرد والحكي والغناء؛ حكاية (حمادة) المرأة التي تغيب عنها زوجها (حماد)، بعد أن خرج ولم يعد، فاختفت آثار خطواته، فشاع عنه بين القبائل أنه تزوج امرأة أخرى من قبيلة ثانية. لتخرج (حمادة) من أجل البحث عنه، وربما لتضبطه متلبسا. ولتلك الغاية أخذت (غربالا) على شكل (بندير) كبير، وبدأت طوافها بين القبائل وسعيها بين المداشر، تغني وتحكي الحكايات، فداع خبرها وانكشف سرها.

لقد تغنى بها أهل هوارة قديما، فكانوا يسمون بناتهم بـ (حمادة) وأبنائهم بـ (حماد)، وشكلوا أيضا  طيفا من موسيقاهم وأغانيهم يحمل اسم (حمادة)،  وتغنى بها العديد من الفنانين، والفرق الغنائية التراثية، ومن القصائد والأغاني المتواترة التي تحتفي بحكاية (حمادة):

ولا دلال يا يلي ولا دلالي

تابرانيت حارة والجولة عطابة

لوحي لحباق يا لشيرة نشدو بديا

إلا طاح ؤتمرمد مات لات ليه مزيا

سيدي موسى لحمري ؤعليك مسند

سيدي موسى لحمري يا شيخ بلادي

سيدي ربي يا العالي شوف من حالي

سيدي ربي لا تكثر الشدة على لعباد

تبقى الناس زاهية ؤتجمع حمادة بحماد

أجي ياوا نعاود ليك لغرايب مادا

حنا خلينا صلى ؤتبعنا حمادة

فانطلاقا من هذه الحكاية التي تفيض بكل معاني الوفاء والمحبة، حاولت مسرحية <خلخال والغربال> أن تكشف اللثام عنها، فـ(حمادة)، رمز لوفاء تلك المرأة التي ظلت تبحث في بياض الشرشمة عن خلخال كان هدية حب من حبيب اختفى من دائرتها إبان (فراش نفاس)، ورغم ذلك ظلت تترقب عودته كما ظلت تتنقل كما تحكي الحكاية بين القبائل بحثا عن أثره. ويظهر خطاب المحبة والوفاء في المسرحية، انطلاقا من المقاطع الحوارية التي عرضناها سابقا حول علاقة حمادة بحفل (الشرشمة) وإيمانها بـ(بياضها) وبالسعد الذي يمكن أن يحمله ذلك الاحتفال، كما يظهر في أهم مونولوج في المسرحية، حيث نجد حمادة تكشف فيه عن حزنها وألمها وشوقها وحبها:

  • حمادة:حماد أحماد، من نهار تبان ونعرف أش دار الزمان.. نسولك أشنو درت ليك باش

ترميني هاد الرمية.. تمشي وتخليني ففراش النفاس.. لا تريكة بقات، لا راجل

        يواسيني.. مني للضس، بتتي ما صبحتي، وحتى الحمل اللي تسنينا يتزاد مات… كنت

        بغيت غير نشمك فيه.. مالقيتومالقيتقبرو نبكي عليه.. ما بقات لي من ريحتك والو..

        حتى من الخلخال اللي عمرني حيدتو من رجلي من نهار صاوبتيه ليا فقت مالقيتوش..

       عقلتي أحماد على خلخال الجلد اللي صاوبتي ليا.. أنا عارفة نهار نلقى الخلخال نلقاك..

         إلى جانب ذلك تظهر خطابات أخرى في المسرحية، من قبيل الاحتفاء بفضاءات واحتفالات الثقافة الشعبيةعلى غرار فضاءات(الشرشمة) و(البياض)و(السعــد) و(الحـظ). إننا في قلب احتفال  (الشرشمة) حيث يتم الاحتفال بفرحة الأطفال بظهور الأسنان. فيتم إقامة الحفل الذي يتميزبمظهره الاحتفالي بظهور الأسنان لدى الطفل. من خلال إعداد طبق من كل أنواع حبوب القطاني، وأيضا يتميز بمظهره الروحاني من خلال طلب الرجاء واليسر والتماس القَبول لأبناء العائلة عندما يكبرون. وفي (شوراي الشرشمة) تضع الأسر والعائلات مختلف العطايا والهدايا من بابا الاحتفال وطلب (البياض) أو السعد والحظ وكل الأماني، في أجواء غنائية وفرجوية.

 وذلك ما تشير إليه الممثلة (فاطمة الزهراء شتوان) في بداية المسرحية:

  • الممثلة فاطمة الزهراء شتوان: كيغنيو على الشرشمة.. وشرشمة هي فرحة الصبيان بالسنان،

وهي اختك أمك وعمتك وحتى الجيران.. الوليدات الصغار يفرحو بالفول والحمص، واحنا

الكبار نطلبو خير الله فشواري الخير، وكل واحد يرمي بياضو وع الله يزيان الفال.

وعن ذلك (الفال) أو السعد، تأتي النسوة طلبا لحظ يسعين خلفه، وأماني يقتفين أثرها، ومنه هنا (حمادة) كما يكشف ذلك حوار زوجة الشيخ معها:

  • زوجة الشيخ:جايةوجايبة غربالك وتقلبي.. كنت عارفة نلقاك فشرشمة.
  • حمادة: فين ليا عليها هروب.
  • زوجة الشيخ: فنيتي عمرك وأنت تقلبي على لبياض.. لوليداتنوضو سنانهم وكاين دابا اللي

دايرشرشمة لولده ولا بنتو، وأنت باقي تقلبي على خلخال..

  • حمادة: أنا عارفة نهار نلقى الخلخال غادي يرجع لي حماد.

تلك هي حياة (حمادة) التائهة في حبها والغارقة في حزنها، المؤمنة أكثر من غيرها بالسعد والحظ اللذين يحملهما طقس (الشرشمة) باعتباره فضاء للسعد والحظ، فتراه تزدحم مع الآخرين لكشف (فتوح بياض الزهر)، قبل أن تعود مجددا تجر خيباتها، وذلك ما تعبر عنه (أغنية الغربال) في المسرحية:

حتى لين وأنت مزاحمة مع صبيان الدشر

حتى لين حتى لين

على باروك شرشمة وفتوح بياض الزهر

حتى لين حتى لين

ترجعي ثاني محشمة فالخيبة دايز لعمر

حتى لين حتى لين

وتتأسس المنطلقات النظرية وتشتغل التحققات الجمالية التي وضعها المخرج (عادل أبا تراب) في المسرحية، انطلاقا من مجموعة من الجماليات تخص مركزية (التمثيل) عبر تقنية المسرح داخل المسرح، ومكانة (الحكاية) باعتبارها صلب العملية المسرحية، وجمالية الفضاء المفتوح في علاقاته المتعددة بالممثل والمتلقي معا. فمن خلال تلك الجماليات يتم توظيف مجموعة من الآليات الفنية في ارتباطها بعمل الممثل ونسيج الحبكة،والاهتمام بالحوار الدرامي بصفته <فعلا محكيا>، وهندسة الفضاء المسرحي وفتح المجال لتقنيات جماليةتغريبية. كما تتأسس تصورات المسرحية، انطلاقا من اعتبار حكاية (حمادة) الهوارية إطار المسرحية وروحها، ثم تترك لنا مجالا للتصرف فيها جماليا، والاحتفاء بالغنى المغربي بتعدد أغانيه الشعبية ورموزه الثقافية.

إن أهم ما يشكل العملية الاخراجية في مسرحية <خلخال وغربال> هو اعتماد تصورات (لويجيبيراندللو) في اشتغاله على جمالية (المسرح داخل المسرح).. إنهم يمثلون على سجيتهم، فيتنقلون بين شخصياتهم ويعودون في لحظة إلى أصلهم بصفتهم ممثلين. فيحدث ذلك التغريب الذي وقف عنده (برتولدبريشت) واشتغل به حتى يتم تكسير الايهام ويذكر الجمهور أننا في لعبة أساسها التمثيل. إنهم يتبادلون التعليقات مع الجمهور، ويعلقون على حدث درامي، هم من أنجزوه، فيتأملونه ويتساءلون عنه.

انطلاقا من الحكاية التراثية التي اشتغلت عليها المؤلف (نزهة حيكون)، ووفقا للتصورات المشهدية التي وضعها المخرج (عادل أبا تراب) بالانتصار للتمثيل والحكاية، فقد تم اختيار اللعب في فضاء مفتوح يوازي الشكل المفتوح للكتابة الدرامية، كما يوافق الاختيارات الجمالية الأخرى. لقد اختاروا مغادرة خشبة المسرح والعلبة الإيطالية، فأسسوا وفق تصورات السينوغراف (سناء شدال) فضاء مسرحيا جديدا يضع الجمهور في قلب العملية الاخراجية.

وقد تم استلهامهذا الفضاء المفتوح شكله البنائي العوالم التراثية، إنهم لا يمثلون في حلقة، بل على شكل حركة (˖) تعود أصولها على حركة الوشم التي تضعها النساء على وجههم. إنهم يلعبون فوق فضاء مفتوح موشوم، حيث يقع مركز التمثيل، وعلى أطرافه تنتشر وشوم ورموز متعددتين ، وبقربها يجلس الجمهور، وفي مركزيتهايقع التمثيل. ويتم رسم  تحديد الفضاء المفتوح  وتحديده وفق مكان عام مركزي وداخلي، يقع فيها التمثيل، وآخر مفتوح وخارجي يشمل فضاء الجمهور ولا يقع فيه التمثيل، وذلك عبر مجموعة من التقنيات التي تحدد– كما اشتغلت بها الدراماتورجيا البريشتية -ما هو خارجي وداخلي (Intérieur –Extérieur).

تلك كانت مسرحية <خلخال وغربال> التي انطلقت من بحث ميداني وأكاديمي، عرف سفرا إلى قبائل هوارة من طرف مؤلفتها الدكتورة (نزهة حيكون) التي اقتنصت حكاية (حمادة) التي تحتفل بها ذاكرتهم وتأتي على ذكرها أغانيهم التراثية، وانتهت في تحققاتها الجمالية التي وقع عليها المخرج (عادل أبا تراب)، في احتفاء بالتراث اللامادي المغربي، ومحاولة توظيفه بشكل متجدد، يحتفي بذاكرتنا الجمعية، وحكاياتنا وأغانينا وفضاءاتنا وملابسنا وألواننا ورموزنا التي تنتشر في جسدنا وشما، وفي الزرابي، والطرز، والحلي القديمة، وصناعة النحاس، والجلد،والقصور القديمة،علامة من علاماتهويتنا المغربية المتعددة الروافد، والغنيةبتعبيراتنا الثقافية والتراثية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى