الرأي

من أجل مدرسة عمومية رائدة

الحراك يوفر فرصة لمناقشة التعليم العمومي ووضعية المدرسة العمومية

عبد الإله إصباح

إذا كان حراك التعليم الراهن قد وضع في الواجهة أبرز مطالب الشغيلة التعلمية والمتمثلة في سحب النظام الأساسي، و الزيادة في الاجر وتحسين ظروف العمل ،ورد الاعتبار لنساء ورجال التعليم من خلال إنصافهم وصون كرامتهم، والانكباب على مجموعة من الملفات العالقة منذ سنوات قصد إيجاد حل نهائي لها، فإن هذا الحراك يوفر فرصة لمناقشة التعليم العمومي ووضعية المدرسة العمومية في ظل مجموعة من التحولات على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي وارتباط سياسة الدولة في هذ المجال بإملاءات وتوجهات المؤسسات المالية الدولية التي أصبحت هي المتحكم في مصير العديد من القطاعات الحيوية وخاصة قطاع الصحة والتعليم. لقد باشرت الدولة مجموعة من الإصلاحات في  هذا القطاع وتبنت مجموعة من الوثائق والأطر المرجعية، منها ميثاق التربية والتكوين واعتمدت بعده المخطط الاستعجالي الذي استنزف ميزانية هامة وخلف وراءه تساؤلات مرتبطة باختلالات وفساد محتمل مس تدبير تلك الميزانية.

الحقيقة أن النهوض بالمدرسة العمومية لا ينفصل عن النهوض بالاقتصاد الوطني حتى يصبح قادرا على تلبية حاجيات المواطنين في مجال الصحة والتعليم

وخلال هذه المدة تم تأطير عدد من المواسم الدراسية بشعارات توحي بوجود إرادة للنهوض بالمدرسة العمومية من قبيل مدرسة النجاح  ومدرسة الجودة ومدارس الريادة، وتم اعتماد مجموعة من المقاربات البيداغوجية من قبيل المقاربة بالكفايات وبيداغوجية الإدماج التي تم التراجع عنها عندما استبدل الوزير الذي تبناها بوزير آخر عمل على إلغائها فور توليه منصبه. غير إن هذه المقاربات والإصلاحات والرؤى لم تسعف في تغيير واقع المدرسة العمومية وجعلها فعلا رائدة ورافعة للتقدم والتنمية البشرية الحقيقية. أصبحت هذه المدرسة غارقة في مجموعة من المشاكل والإكراهات التي تحول دون أن تلعب الأدوار المنتظرة منها، ولا يلجأ إليها من الآباء إلا من هو عاجز عن دفع تكاليف مدرسة بالقطاع الخاص. هذا يعني أن المدرسة العمومية أصبحت في الواقع وفي نظر شريحة واسعة من المجتمع عاجزة عن تقديم تعليم جيد يزود المتعلمات والمتعلمين بالكفايات والمؤهلات الضرورية للنجاح في المسار الدراسي و المهني فيما بعد. كانت مدارس القطاع الخاص فيما مضى لا يلجها إلا من عجز عن استكمال دراسته بنجاح في المدرسة العمومية، كانت بمثابة الفرصة الأخيرة لتجاوز التعثر الدراسي، اما اليوم فانقلب الوضع واصبحت هذه المدارس ذات جاذبية تجعلها متفوقة على مدارس القطاع العام. وكان للإهمال الذي تعرضت له المدرسة العمومية من طرف الدولة دور في  المآل الذي آلت إليه، وهو إهمال تجسد في تخصيص ميزانيات غير كافية للاستجابة لمتطلبات النمو الديمغرافي بتشييد العدد الكافي من المدارس والمؤسسات التعليمية، وهو ما أدى إلى ظواهر مثل الاكتظاظ والخصاص المهول في الموارد البشرية تعاملت معه الدولة بحلول ترقيعية، فلجأت إلى ما يسمى الأساتذة العرضيين وأساتذة سد الخصاص دون أن  ينتج عن ذلك حل للمعضلة بل ازدادت تفاقما وتراكمت مشاكل القطاع وأصبحت مستعصية عن الحلول خاصة تلك التي ما فتئت تقترحها الدولة بين الفينة والأخرى.

والحقيقة أن النهوض بالمدرسة العمومية لا ينفصل عن النهوض بالاقتصاد الوطني حتى يصبح قادرا على تلبية حاجيات المواطنين في مجال الصحة والتعليم، غير أن النهوض بهذا الاقتصاد مشروط بشرط أساسي هو تحريره من التبعية للخارج ومن التبعية للمؤسسات المالية الدولية التي أصبحت هي من يرسم التوجهات الأساسية للاقتصاد المغربي ويحدد أوجه صرف الميزانية السنوية وتحديد حصة القطاعات الحيوية من هذه الميزانية.

إن انتعاش القطاع الخاص في مجال التعليم ليس إلا نتيجة طبيعية لهذه السياسة الاقتصادية المفروضة من صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات التي توصي دوما وتشترط توفير الأجواء الملائمة لهذا الانتعاش، ولا شك أن مدرسة عمومية منفرة وعاجزة عن ضمان تعليم جيد هي بلا شك عامل اساسي يندرج ضمن تلك الأجواء التي تدفع الأباء إلى العزوف عن المدرسة العمومية و التوجه  للقطاع الخاص. لا يمكن لوم الآباء عندما يختارون لأبنائهم متابعة دراستهم في التعليم الخاص، فهذا ليس فقط من حقهم بل من واجبهم وبمقتضى هذا الواجب عليهم أن يختاروا لا بنائهم المدرسة التي تضمن فعلا تعليما جيدا يضمن للأبناء مسارا دراسيا ناجحا، ولاشك أن الاختيار الصائب سيتوجه لمدرسة من القطاع الخاص ما دامت المدرسة العمومية غير قادرة على توفير عرض تربوي مغر وجاذب يستجيب لانتظارات الأسر.

إن تأهيل المدرسة العمومية يستوجب توفير شروط منها ما هو متعلق بفضاء هذه المدرسة، ومنها ما هو متعلق بنوعية الأطر ومهامهم وتخصصاتهم. يمكن للدولة أن تنطلق في إرساء لبنات هذه المدرسة من خلال معاينة ما توفره أجود مدارس القطاع الخاص وتعمل على توفير ما يضاهيه أو يتفوق عليه في المدرسة العمومية. سيكون عليها أن توفر في مدرسة ابتدائية عمومية فضاء ملائما ومغريا، وتخصيص ثلاثة أساتذة لكل مستوى، استاذ العربية، أستاذ الفرنسية، استاذ العلوم فضلا عن منشط في المجال الفني والثقافي، وأستاذ للرياضة البدنية مع توفير ملعب لهذه الرياضة وقاعة عروض للأنشطة المسرحية والفنية. والاهتمام نفسه ينبغي أن توليه للمدارس الإعدادية والتأهيلية بتوفير بنية تحتية بهذه المدارس من مختبرات العلوم وقاعات فسيحة للعروض وملاعب ملائمة للرياضة البدنية. وسواء في المستوى الابتدائي أو المستوى الإعدادي  والتأهيلي، ينبغي الحرص على أن لا يتجاوز عدد التلاميذ والتليمذات 24 في كل حجرة دراسية. ينبغي أن يصل مستوى تأهيل المدرسة العمومية إلى درجة تجعل الاستثمار الخاص في مجال التعليم محفوفا بمخاطر الإفلاس الأكيد والحتمي، بحيث يصير هذا  التعليم  عاجزا عن منافسة التعليم العمومي على مستوى الجودة والاستقطاب، ويكتفي إن استطاع التواجد بأداء بعض الأدوار الثانوية على مستوى تقديم دروس في بعض اللغات التي لا يوفرها التعليم العمومي، أو التأهيل لاجتياز مباريات معينة. والأكيد أن العائد الاقتصادي للأسر من هذه المدرسة سيكون كبيرا لأنه سيزيح عن كاهلها عبئا ماليا مرهقا تتحمله في أداء واجب التمدرس في التعليم الخاص، وسيخفف عن الدولة ضغط المطالبة بالزيادة في الأجور من قبل فئات عريضة من المجتمع، مادامت قد اعفتهم من أداء مبالغ مالية مرتفعة من ميزانية الأسرة

إن توفير مدرسة عمومية بهذه المواصفات يتطلب إرادة سياسة لدولة تتطلع فعلا للنهضة والتقدم و تحقيق النماء والازدهار والرفاه لأبناء الشعب. دولة تعتبر أن أفضل استثمار هو الاستثمار في الرأسمال البشري بما هو الثروة الحقيقية لأي شعب من الشعوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى