ثقافة

ماركيز، كابوتي، بروست، همنغواي.. أسرار و غرائب في مطبخ الكتابة

كيف يكتب الكتاب أعمالهم؟

لوسات أنفو

قليلون يدركون أن الكتابة ليست ترفا بالنسبة لمن يأخذها على محمل الجد، اي بالنسبة لأولئك الذين تجاسروا على أن يقرنوا وجودهم الشخصي بلقب كاتب. إنها مجهود مكلف، و دمار قلما ينبته إليه من يستمتع بأعمال المؤلفين، و خسائر لا تحتمل في الجسد و النفس، و تنازل عن الحق في الزمن مقابل امتياز انتزاع ما لا يقاس به. إنها مسألة كيمياء و فيزيولوجيا. لأن الكتاب الحقيقيين الذين يتحملون هذه المهمة كلعنة ممتعة، لا يكتبون بالحبر، و إنما بدمهم و غرائزهم و مزاج أعضائهم مسندين مهمة خلق العالم لبيولوجيا الكلمات، تلك الحياة التي قال عنها راينار ماريا ركله في رسالة إلى حبيبته بالبندقية مؤرخة ب 7 دجنبر 1907 ” شيء مرعب أن نفكر بأن هناك أشياء كثيرة تبنى و تهدم بالكلمات. و الكلمات بعيدة عنا، ومنغلقة في ديمومة حياتها الثانوية، لامبالية بحاجاتنا القصوى. و هي تتراجع إلى الوراء حالما نمسك بها. و هي لها حياتها الخاصة بها، و نحن لنا حياتنا الخاصة بنا.”

يصل العمل إلى القارئ مكتملا، و قد يستمتع به، وقد يحاكمه بقساوة، غير آبه بمحنة فوضى البدايات. أي كيف تمكن العمل من النمو الشاق لكي يبنى في شكل صرح قابل للتتبع؟ مثل هذا السؤال يغيب عن فطنة القارئ، فهو مهووس بالمحصلة النهائية، بانتهازية المتعة و التأثير، و بالكسب المعنوي الذي يعوض خسارة الزمن المنفق في سبيل القراءة. فهو يغفل أن كل كتاب يقرأه يجر وراءه تاريخا من المعارك الضارية، فكرة تقتل الأخرى، و صيغة تطرد الثانية، و تردد بين جبهتين أسلوبيتين، و اقتتال بين تقنيات تعلن عن نفسها دفعة واحدة أمام الكاتب.

الكاتب الإبسباني خيسوس غريوس
خيسوس غريوس

في كتابه ” التنقيب بين السحاب” الصادر بمدريد سنة 2015، عمل الكاتب الإسباني خيسوس غريوس على استقصاء هذا السؤال ”  كيف يتمكن الكُتاب  من الوصول إلى صياغة القصص التي يؤلفون ؟” فكان أول شيء وصل إليه هو أن كل الكتاب الكبار يقولون إن الوقت الذي استلزمهم  للوصول إلى فكرة العمل أطول بكثير من الوقت الذي استلزمته كتابته . لأنهم كتاب محترفون ، متمكنون من تقنيات الكتابة ، لذلك فالصعوبة و المعاناة الحقيقية بالنسبة إليهم هي الوصول إلى فكرة أصيلة للعمل . عندما تنضج الفكرة و تكتمل في ذهن الكاتب يصبح بإمكانه تحقيقها في كتاب.

يقدم نماذج عن ذلك، فغابرييل غارسيا ماركيز قضى 15 سنة في التفكير للوصول إلى  فكرة ” مائة سنة  من العزلة ” و 30 سنة في التفكير في ” وقائع موت معلن ” ، كما أنه كتب 300 صفحة من رواية ” خريف البطريرك ” ( صدرت سنة 1975 ) فاستغنى عنها بكاملها ، و لم يحتفظ منها سوى باسم هذه الشخصية فقط  ، و الباقي ألقى به في سلة المهملات . أما رواية ” ليس للكلونيل من يكاتبه ” ( صدر 1961) فقد أعاد كتابتها تسع مرات . و في كل مرة كان بجد أن المنجز لا يرقى إلى ما يسعى إليه . و الفرنسية ” مارغريت يورسينار ” التي اشتهرت بروايتها ” ذاكرة أدريان ” ، فقضت عشرين سنة في كتابة هذا النص ، و لم تحتفظ من صيغته الأولى سوى بجملة واحدة ، و الباقي استغنت عنه و تخلصت منه في القمامة .

همنغواي
إرنست همنغواي

يعني هذا أن الكاتب المحترف ، ليس شخصا متلهفا على النشر ، و أن إشباع النص لطموحه الفكري و الأدبي و الجمالي ، أي للصيغة المثلى التي  تصور بها  العمل ، مسألة حاسمة  و أولوية قصوى قد تؤجل عملية نشره ، و تُلزم الكاتب بإعادة كتابته عدة مرات . يذكر خيسوس غريوس أن إرنست هيمنغواي  مثلا ، أعاد كتابة آخر صفحة من روايته ” وداعا للسلاح ” 39 مرة ، لأنها لم تحظ  برضاه . بالنسبة للقارئ  سيمر بسهولة  على هذه الصفحة ، و قد يجدها عادية ، دون أن يعرف أنه لكي تصل إلى نتيجتها النهائية استلزمت من همنغواي عملا كبيرا .و هذا  نموذج لكي يدرك القارئ قيمة المجهود الذي يوجد خلف الكتب التي نقرأها بسهولة . و ذلك ما يؤكده خورخي بورخيس ، الذي كان يقول : ” كل صفحة مما كتبته ، هي حصيلة صيغ متعددة في إعادة الكتابة .. “

 ماذا عن مصدر فكرة العمل ، أي من أين يستقي هؤلاء الكتاب فكرة مؤلفاتهم ؟ يذكر خيسوس غريوس أنه  بالنسبة لغبرييل غارسسا ماركيز ، فمنطلق العمل يكون دائما  صورة ما . مثلا رواية ” ليس للكولونيل من يكاتبه ” جاءت فكرتها عندما شاهد غارسيا ماركيز رجلا واقفا قرب النهر ينتظر وصول الباخرة التي تحمل البريد . هذه الصورة ألهمته من خلال 30 سنة من التفكير ، كتابة هذه الرواية الجميلة . هكذا دائما بالنسبة لهذا الكاتب كل أفكار كتبه مصدرها صورة شاهدها أو تخيلها .

أما كاتب المغامرات الإنجليزي ” إستفينسون” فكان يجد مصدر فكرة أعماله في أحلامه الشخصية . و بالنسبة للورنز دوريل ، فكان يقول إنه يبني أعماله من خلال الكلمات ، الأمر بالنسبة له لا يتعلق لا بصورة و لا بحلم  ، حيث كان يقول ” الكلمات توجد في جيب سروالي و تبدأ تكبر و تكبر إلى أن تصبح عملا. “

ترومان كابوتي
ترومان كابوتي

الكتابة أيضا هي مجهود في المكان لتطويع الجسد، إذ ليست كل الأمكنة تفي بشرط الكيمياء اللازمة للتحفيز على عمل الكاتب. يقول خيسوس غريوس ” في الأعم هؤلاء الكتاب ، عندما يكونون شباب ، أو في كامل نضجهم الجسمي ، يشتغلون بالليل . ويليام  فوكنر ، مثلا ، قال إن المكان الأمثل الذي يلائمه في الكتابة هو وكر العاهرات . لأنه يكون بالليل صاخبا و في الصباح هادئا ، لكون محترفات الدعارة يستسلمن للنوم فيه . و كذلك الأمر بالنسبة لغارسيا ماركيز ، عندما كان صحفيا ،  في سن صغير  ، اختار السكن في منزل لعاملات الجنس . فكان يستغل هدوء الصباح و يشتغل بقوة ، و في الليل يشتغل بالجريدة . و أول رواية له ، و التي كانت بعنوان” الأوراق الذابلة ” (صدرت سنة 1955)  كتبها هناك في هذا المنزل . أما الكاتب الأمريكي ويليام فوكنر الذي مارس تأثيرا على مجموعة من الكتاب كغبرييل غارسيا ماركيز و يوزا فارغاس و خورخي بورخيس ، فكان يقول ” سمعت عن الإلهام ، لكنني لم أره قط ” بمعنى أن العامل  الأساسي بالنسبة له هو الانضباط.”

الانضباط يعني جهادا في الذات، و صرفها عن مغريات الحياة، و تقيد بطاولة الكتابة لعدد محدد من الساعات يوميا. غياب الانضباط يعني انعدام الاحترافية. يقول صاحب كتاب ” التنقيب بين السحب” : ” كلهم يقولون إنهم في شبابهم  يشتغلون لساعات طويلة ، كموظف عمومي . و لكن عندما يتقدم بهم السن ، يعملون أكثر في الصباح الباكر . لأنه لا ينبغي أن ننسى هذه الحقيقة ، فلكي نكتب فنحن في حاجة للطاقة الجسدية . شخصيا ،  عندما كنت أكتب رواية ” زرياب ” كنت أشتغل على  الأقل ثماني ساعات في اليوم . الآن لا أستطيع أن أقوم بمثل هذا المجهود . فاكتفي بخمس ساعات و نصف في الفترة الصباحية ، و بعد الظهر أخرج للتجول و الاسترخاء . جسميا لم تعد لي نفس الطاقة.”

المطبخ السري للكتاب مليء بالغرائب، و كثيرا ما استغلت لإضفاء طابع أسطوري على فعل الكتابة. في حوار صحفي يسرد خيسوس غريوس بعض هذه الأسرار المثيرة قائلا”  نعم هناك عوائد غريبة . فلوبير مثلا ، كان يشتغل دائما مديرا ظهره للنافذة ، لأنه يرفض أي منظر قد يشتت تركيزه . بروست كان أغرب منه ، كان دائما يكتب في السرير ، في غرفة مغلقة . و كان مصابا بالربو ، و مع ذلك لا يفتح النافذة ، و هو ما يشكل خطرا على صحة من هو مصاب بهذا المرض . بروست أيضا كان يكتب بالليل ، و يرفض رائحة العطر ، و كانت خادمته تشم كل من يهم بزيارته ، فإذا كان  يحمل أدنى  أثر لرائحة  العطر ، تمنعه من الدخول عند بروست . و كان أيضا ، و هو في سريره بغرفته المغلقة تحيطه صفحات مخطوط العمل الذي يشتغل عليه ، يستدعي من حين لآخر  فرقة موسيقية لتعزف له ما يروقه من مقطوعات .

و يسترسل في ذكر هذه الغرائب ” الكاتب الأمريكي ترومان كابوتي ، كان يكتب أيضا في سريره . و كان يقول عن نفسه ” أنا  كاتب أفقي .” و بالنسبة لغارسيا ماركيز ، فلكي يكتب ينبغي أن يكون الورد الأصفر على طاولته ، و إلا فهو لا يستطيع الكتابة . حاول ذات مرة ، أن يكتب ، فتلكأ كثيرا ، فانتبه إلى غياب الورد الأصفر عن مكتبه ، فذهب أحدهم مسرعا لجلبه . الورد الأصفر ، بطريقة ما مصدر لإلهامه .

أما هنري ميللر قصة أخرى . فهو لا يستطيع الكتابة في مكان مريح . إذ يفضل دائما العمل في شروط غير مريحة : غرفة ضيقة و على طاولة صغيرة .. الفضاء المريح لا يُسعفه على العمل . غيوم أبولينير كان يكتب في المطبخ . أما بلزاك فكان يكتب بالليل مع سترة قصيرة بيضاء من الكشمير و القهوة حتى لا يُداهمه النوم ، كان يستنفد الليل بكامله في الكتابة . و بالنسبة للشاعر الإيطالي ليوباردي ( القرن 19) كان لكي يُكره نفسه على الاستمرار في العمل ، يربط رجليه بالكرسي ، لكي يمكث بمكانه و يواصل الكتابة . و نلاحظ هنا أن عامل النجاح الأساسي بالنسبة للكاتب هو الانضباط في العمل .”

كثيرا ما يروج عن الكتاب أنهم يحتاجون إلى فضاءات جميلة لكي يواصلوا عملية الخلق، كالجلوس أمام منظر رائع، و الإنصات إلى الموسيقى. من خلال  كتاب خيسوس غريوس، يبدو ذلك أنه مجرد إشاعة. حيث يقول ” : قلة من الكتاب كانوا يستمعون للموسيقى أثناء الكتابة . و أغلبهم يكتب في صمت مطلق . الموسيقى تصبح عامل ترفيه ، و هو يؤثر على تركيز الكاتب و يشتته . : لأن العالم الذي يقيمون فيه أثناء الكتابة هو الخيال ، و لا ينبغي للواقع أن ينتزعهم منه . إذا كانوا أمام حديقة جميلة فلن يشتغلوا بشكل جيد ، لأن  جمالها سيستبد بانتباههم و يحرمهم من التواجد القوي في العالم الذي يحاولون بناءه . إذا كان أمام الكاتب منظر خلاب فإنه سيكون مُشبع ، و هذا يمنعه من البحث عن شيء آخر في عالم الخيال . كابيلو خوسي سيلا و هو آخر كاتب إسباني حصل على جائزة نوبل ، كان لكي يركز في عمله أكثر ، و يضمن أقصى درجات العزلة عن العالم الخارجي ، يقيم خيمة سوداء داخل مكتبه بمايوركا  ، و يُغلقها عليه تماما ، و فيها كان يكتب .”

هل يعني هذا أن الكتابة مشروطة بالعزلة المطلقة؟ في حدود نسبية يصدق ذلك. لكن خيسوس يورد مثالا مضادا ” ، همنغواي الشاب كان يكتب بالمقهى ، و كذلك الكاتب الإيطالي لابيدوزا صاحب رائعة ” الرحيل ” ، كان يكتب بمقاهي باليرم  بسيسيليا، حيث  يلتهم الكثير من الحلوى و يقرأ شكسبير و يكتب . أما خوان غويتصوللو ، فيكتب  بمكان إقامته ، و دائما  بيده و  بواسطة  قلم الرصاص ، و لم يستعمل قط الآلة الكاتبة أو الحاسوب ، لأنه يكرههما .”

يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى