افتتاحية

لكي تعيش بكرامة عليك أن تتحول إلى فاسد أو لص أو نصاب أو محتال

لوسات أنفو

سر المدينة هو الانفتاح. لا مدينة تمكنت كونيا من التطور إلا بفضل عنصر ضيافة الغريب و الانفتاح على الأجنبي و التفاعل مع الآخر. ذلك درس كوني، من بغداد العباسيين، إلى باريس و نيويورك و لندن اليوم. لا يمكن أبدا أن نعتبر أن حضور الأجنبي، تخطيط مسبق لطرد ابن المدينة، و استبعاده منها. لكن هناك ما هو أهم و أقسى ( من القسوة) في حالتنا المغربية. إذ ليس الأجنبي هو الذي طرد المغربي من مدينته. بل هي سياسة الدولة الفاشلة، التي لم تنتج سوى الفقر، و فاقمت الحاجة، التي دفعته إلى مغادرة مدينته مكرها، لاجئا بأحياء الهامش، و مركبات الفقر الإسمنتية التي تسميها الدولة بوقاحة السكن الاقتصادي.

لكن الأمر السيء هو أن قدرات المغاربة، صارت أضعف بكثير، بسبب لصوصية كبرى، أجهزت على نصيبهم في الثروة، و فرضت منطق: لكي تعيش بكرامة عليك أن تكون فاسدا، لصا أو محتالا او نصابا.

في مراكش مثلا، يبدو هذا المسلسل واضحا. المتقاعدون الأوروبيون، لم يستطيعوا الوفاء بمتطلبات العيش ببلدانهم. إنها نتيجة حتمية للرأسمالية المتوحشة، التي انتفض ضدها السترات الصفراء. لكنهم وجدوا ملاذهم في بلدان الجنوب، و خاصة في شمال إفريقيا، على شاكلة مدينة كمراكش، أو أزمور، أو غيرها. المتقاعدون السويسريون، جزء كبير منهم، لا يستطيع أن يظفر بسبل العيش التي ألف في سويسرا، فيهاجر إلى القرى و المدن الصغيرة بإسبانيا و البرتغال. أما الفرنسيون، فلهم حنين للعودة إلى مستعمراتهم القديمة، حيث يمكنهم أن يعيشوا أسيادا أكثر حتى من الأسياد المحليين. و مع ذلك هناك استفادة متبادلة. هناك التعويضات الشهرية التي تبدو هزيلة هناك، و تصبح مهمة تكفل الحياة هنا. تُصرف وتخلق منافع مختلفة. و هو أمر لا ينبغي إنكاره. لكن الأمر السيء هو أن قدرات المغاربة، صارت أضعف بكثير، بسبب لصوصية كبرى، أجهزت على نصيبهم في الثروة، و فرضت منطق: لكي تعيش بكرامة عليك أن تكون فاسدا، لصا أو محتالا او نصابا. و فرضت على  شباب المدينة، أن يرتكب جريمة لكي يشبع رغبات بسيطة كأن يدخن سيجارة، أو يرشف فنجان قهوة، أو يلبس حذاء رياضيا مستعملا، اي أن يتحول إلى جانح مطارد من قبل الشرطة و مدان من قبل المجتمع. مثلما فرضت على الأسر التي لم تعد مداخيلها البسيطة تستطيع أن تؤمن لها واجب الكراء بالمدينة، أن تهجر منازلها في قلب المدينة، و تطرد إلى أحياء الهامش، أي العشوائيات، الحضن الدافئ الذي يتسع للفقر و الفقراء، بكل مآسيه و بؤسه.

ينتج عن هذا الوضع تمثلات اجتماعية مغلوطة، مفادها أن الأجنبي هو السبب في هذه المأساة، هو مركز المؤامرة الكبرى التي جعلت أن الأجمل و الأنظف من نصيب هؤلاء الوافدين من أوروبا، و أن يكون الأسوأ والمزري من نصيب المغربي البسيط.

في الحقيقة إن متقاعدي أوروبا، باختيارهم الإقامة في المدن المغربية، يشكلون مصدرا إيجابيا لخلق الثروة، و سببا في خلق تفاعل حضاري تبدو مدننا في حاجة إليه، لكي تقوي روحها الكونية. لكن مع الأسف هذه الثروة لا تجد سبيلها السلس للتوزيع العادل، لتكون عنصرا فعالا في ترسيخ المزيد من الاندماج و التنمية. و يعني ذلك أن النتائج السيئة ليست مشاكل مترتبة عن حضور الأجنبي بيننا، و إنما حصيلة واضحة لخلل مستفحل في الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى