تحقيق
أخر الأخبار

قطاع السياحة بمدينة مراكش .. فقر و دعارة وسخرة

كيف تحولت المردودية المالية للسياحة إلى عامل مضاد للتنمية بالمدينة الحمراء

 

لوسات أنفو: أيوب داهي

ماذا استفادت مدينة مراكش حقيقة من كونها الوجهة الاولى للسياحة بالمغرب، و هل تنعكس عائدات القطاع السياحي ايجابا على وضعية ساكنة المدينة خصوصا فيما يتعلق بالبنية التحتية الاجتماعية و بخلق فرص شغل لشباب المدينة, و كيف ساهمت جائحة كورونا في كشف عورة هذا القطاع و فضح هشاشته.

في هذا التحقيق سنبحث  انطلاقا من المعطيات التي توفرها التقارير الرسمية و بعض الدراسات من متخصصين في المجال، عن ملامح انعكاس الطفرة السياحية  على مقومات العيش و ظروف الحياة اليومية بمدينة مراكش و أثر المردودية المالية للمنشآت الفندقية الضخمة وملايين السياح الذين يتوافدون على المدينة، والملايير التي  تملأ حسابات المستثمرين، في تنمية هذه الحاضرة و خصوصا الخدمات الصحية المقدمة و خدمات التعليم و الولوج للشغل مقارنة مع الامكانات  التي تزخر بها و الفرص التي تتيحها.

قليلة هي الوجهات السياحية التي لاقت نجاحا باهرا اقليمياوقاريا كما فعلت وتفعل مدينةمراكش، فتعدد العرض السياحي لهذه المدينة، من سياحة الاعمال إلى السياحة الثقافية مرورا بسياحة المعالم التاريخية وصولا إلى سياحة الاماكن الطبيعية يجعل من هذا القطاع اختيارا استراتيجيا و حيويا لصناع السياسة العمومية بالمدينة الحمراء.ان موقع المدينة الجغرافي ومناخها واناسها وتاريخها و ثراتها كلها عناصر تلتئم لتجعل منها الوجهة الاولى للسياحة في المغرب بامتياز.

احتلت جهة مراكش-اسفي المرتبة الاولى على الصعيد الوطني فيما يتعلق بالليالي السياحية بحوالي 7.2 مليون ليلة في الفترة الممتدة بين يناير ونونبر 2018. و تتبوأ مدينة مراكشالرتبة الاولى من حيث نسبة تسويق المنتوج السياحي الوطني بنسبة ليالي سياحية ذات المستوى الراقي  تصل الى 42% . كما تتسيد مدينة مراكش  نسبة ملئ الفنادق , هذه النسبة التي استقرت خلال الفترة بين سنتي 2004 و 2008 في 61%.مدينة مراكش تحتكر لوحدها %78 من المداخيل السياحة على مستوى جهة مراكش-اسفي  و %80 من القيمة المضافة السياحية الجهوية.

تستقبل مدينة مراكش حوالي مليوني سائح سنويا, و القطاع السياحي يساهم بحوالي %13 من الناتج الداخلي الخام الجهوي، كما تقترح جهة مراكش عرضا سياحيا متنوعا يضم 884 مؤسسة فندقية بما يعادل %49.5 من العرض الفندقي الوطني، كما يبلغ عدد الاسرة حوالي 55000 سرير بمعدل ملئ سنوي يقارب %40، كما يشكل القطاع السياحي العنصر الاساسي المحفز للاستثمار بالجهة بنسبة %80.

ظاهريا و اعتمادا على كل هذه الارقام يبدو ان القطاع السياحي يشكل قاطرة حقيقية للتنمية بمدينة مراكش خصوصا و بالجهة عموما، ففرص الشغل التي يخلقها القطاع، بالإضافة لمساهمته  في تعزيز خزان المغرب من العملة الصعبة، و كذا دوره المحدد في التسويق لصورة المغرب عالميا، كلها محفزات تجعل دور هذا القطاع رياديا و غير محل نقاش.

لكن  واقع الحال  قد ينسف هذه الاقاويل و يجعل منها مجرد انطباعات، وقد لا يعكس حقيقة الامر و واقع الاشياء، و هو ما يقتضي تمحيص هذه الارقام و سبر اغوار هذه المعدلات و كشف وجهها الاخر حتى تتبين الحقيقة و ينجلي اللبس.

الخدمات الاجتماعية بمراكش

بخصوص الخدمات الصحية و حسب تقرير نشره مجلس جهة مراكش-اسفى في يونيو 2022 حول ميثاق التهيئة و التنمية الترابية خلال الفترة 2022-2046 ذكر التقرير ان الجهةتتوفر على 17 مستشفى عمومي منها 8 بمدينة مراكش، كما تتوفر على 1232 طبيب يشكلون الجسم الطبي الكلي بنسبة %14.54 علىالمستوى الوطني. وحسب نفس التقرير، فهناك خصاص مهول في عدد الاطر الطبية بالجهة حيث تشير ارقام سنة 2017 انه يوجد طبيب واحد فقط لكل 1940 نسمة، و ان نسبة %60 من الاطباء تتركز بإقليم مراكش.

و على ضوء  المعطيات التي قدمها نفس التقرير فقد احتلت جهة مراكش اسفي الرتبة الثامنة على المستوى الوطني حسب احصاء 2014 من حيث نسبة التمدرس  بين 7 و 12 سنة بمعدل %94.7، و يبلغ العدد الاجمالي لتلاميذ التعليم الاولي 115270 بين سنتي 2018-2019 , و بخصوص التعليم الاعدادي فيبلغ العدد الاجمالي للتلاميذ 223459 تلميذ خلال الموسم 2018-2019.

و بخصوص البنية التحتية المدرسية فان عدد مؤسسات التعليم الثانوي الاعدادي قد بلغت خلال الفترة 2018-2019، 379 مؤسسة. وبالنسبة للتعليم الثانوي التأهيلي فقد بلغ العدد الاجمالي للتلاميذ 115655 تلميذ خلال الموسم الدراسي 2018-2019، و ارتفع عدد المؤسسات التعليمية من 23 خلال موسم 2010-2011 الى 199 خلال 2018-2019.

و بالنسبة للتعليم الاولي يوجد استاذ لكل 19 تلميذ خلال السنة 2018-2019، كما انه  و رغم  تحسن نسبة التمدرس بالمستوى الاعدادي و التي انتقلت من 17.7% الى %46.6  لكنها تظل غير كافية، و تبلغ نسبة الساكنة بدون مستوى تربوي عالي %41.7، كما ان نسبة البطالة في صفوف حاملي الشواهد العليا تبلغ %20.3.

و حسب التحليل الجهوي بواسطة مؤشر التنمية المحلي المتعدد الابعاد فان جهة مراكش اسفي قد احتلت الرتبة التاسعة على المستوى الوطني، حيث سجلت عجز بلغ %50.4 في ما يتعلق بقطاع التربية و و%39.7 بخصوصقطاع الصحة و %32.8 فيما يخص التنمية المحلية و %26.2 فيما يتعلق بالسكن. و هي رتب متدنية و معدلات ضعيفة بالنظر لإمكانات المنطقة الطبيعية و الجغرافية و التاريخية و البشرية و التي يجب ان تنعكس على واقع العيش اليومي.

واقع التشغيل في القطاع السياحي بمراكش

 من الملاحظات المثيرة التي تفسر المنحى التصاعديالذي ميزالقطاع السياحي هو ان هذا التصاعد كان على حساب القطاعات الاخرى، و خاصة القطاع الصناعي، و يتميز سوق الشغل في القطاع السياحي بقدرته على استيعاب كمية مهمة من اليد العاملة الغير مؤهلة حيث ان %60 في المئة من هذه اليد العاملة غير مكونة تقنيا و أكاديميا في هذا المجال و هو مدخل يشرعن لأرباب الوحدات الفندقية  ضرب حقوق الشغيلة  عن طريق تخفيض الاجور و زيادة ساعات العمل و عدم التصريح بالعمال في صناديق الضمان الاجتماعي و الاعتماد على العمال المؤقتين في فترات الذروة و غيرها من الخروقات… و اتكال العمال على اكراميات الزبائن من اجل تحسين دخلهم الشهري او اليومي  و هو ما يجعلنا امام نظام يشبه الى حد كبير نظام السخرة حيث تعاني الشغيلة الفندقية من الفقر و الفاقة فيما يراكم المستثمرون في هذا القطاع الارباح و الثروات.

هذه المعطيات الاحصائية حول النشاط السياحي وحول الفلسفة المعتمدة في  التشغيل بهذا القطاع , تضرب في مقتل  قطاعات اخرى على رأسها القطاع الصناعي كما أشرنا سابقا، و  هذا الاخير وهو المحدود اساسا في الصناعة الغذائية تميز  بالتراجع في الاستثمارات المخصصة له  حيث انتقلت مدينة مراكش من المساهمة في الاستثمار الوطني من 4.3% الى 1.5% في المئة، اذن  فالقطاع الصناعي و هو الذي  يواجه صعوبات في التطور فمرد ذلك   لهيمنة الاستثمارات السياحية على بنية الاقتصاد المحلي . خلال سنة 1997 كانت مراكش تساهم ب 3% في المئة في الانتاج الصناعي حسب المندوبية السامية للتخطيط، عشر سنوات بعد ذلك انتقلت هذه النسبة الى 2.3% على المستوى الوطني.

استفحال ظاهرة الدعارة

من الانشطة التي ترافق الحركية النسبية لقطاع السياحة بمراكش و التي اشتهرت بها عالميا حتى اصبحت مرادفا  لها هي  ظاهرة الدعارة  بمختلف درجاتها، اي من الدعارة الراقية بالفنادق و المنتجعات و الفيلات الى دعارة الشقق المفروشة وصولا الى دعارة الازقة و الاحياء المهمشة، حيث تزدهر هذه الظاهرة بشكل كبير يلحظها بشكل عادي القاطن بالمدينة و الزائر لها على حد سواءحيث اصبحت مشاهد الفتيات على الارصفة وهن يترصدن قرب الثانويات و الجامعات و داخل الحانات زبائنهن او العكس عادية طبع معها الجميع بمدينة مراكش. هذهالظاهرة المخربة للاقتصاد تضرب تكافؤ الفرص و تعمق مظاهر الفساد الاجتماعي و تؤثر على السير العادي لدورات الانتاج ناهيك عن تأثيراتها الصحية و النفسية على الافراد و  المجتمع. و غالبا ما يدفع واقع الفقر المدقع و الظروف الاجتماعية الصعبة  لغالبية سكان المدينة  و المدن المجاورة لها، فتيات هده الاحياء و المناطق لامتهان الدعارة اما مؤقتا او بشكل دائم ما يجعلهنفريسة سهلة لشبكات الدعارة و الاتجار بالبشر تستقطبهن لممارسة اقدم مهنة في التاريخ مع مغاربة و اجانب  مقابل مبالغ مغرية تعلن بها انفسهن و في أحيان عديدة أسرهن أيضا. استفحال هده الظواهر يضع على المحك نجاعة و فعالية تشجيع الاستثمار في القطاع السياحي من طرف السلطات العمومية  والتعويل عليه بشكل شبه كلي ليكون قاطرة التنمية بالمدينة، فالذي يبدو انه  على عكس ما يروج له فالقطاع  يعمق من الشروخ المجتمعية ويهدد التماسك الاجتماعي و الاسري و قد يعصف باستقرار المجتمع ككل اذا لم تتغير الرؤية و المقاربة المعتمدة  لهدا القطاع بمدينة مراكش.

استنادا لكل هذه المعطيات لن يكون حكما مسبقا ان خلصنا ان المنطق المنتهج في تدبير القطاع السياحي بمراكش قد يشكل عائقا امام تنمية المدينة و النهوض بها، فواقع البنية التحتية للمدينة من مستشفيات و مدارس و جامعات و كذا طرق و شوارع  و مؤسسات ترفيه لا تلبي اطلاقا طموحات الساكنة و لا تستجيب لتطلعاتها كما ان واقع التشغيل يكرس الهشاشة و السخرة والتفقير في صفوف شغيلة هذا القطاع، في حين يبقى رب المقاولة الفندقية المستفيد الاكبر من هذا التوجه الذي يدعم تدفق السياح نحو المدينة.

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى