الرأي

في الحاجة إلى تربية مدنية

عبد الرحيم نسامي، باحث في الديداكتيك وعلوم التربية

إن الواقع المجتمعي بالمغرب سواء في مستواه العام أو على المستوى الأخلاقي والسياسي، بل حتى الواقع بالشارع العام بتمظهراته التي تضرب في العمق الوضع الأخلاقي للمجتمع؛ من خلال سيادة سلوكات لا تمت للمواطنة في شيء. يبرر طرحنا لمجموعة من الأسئلة، والتي تسائل في العمق واقع تدريس التربية على المواطنة، من قبيل : هل نعلم تلامذتنا أن يكون الواحد منهم مواطنا؟ وما هي المعارف والمهارات والقدرات والقيم التي ممرنا لهم في ارتباط بموضوع التربية على المواطنة؟ أم أننا فقط نقوم بتمرير معارف تُنسى فور الخروج من الفصول الدراسية؟

1: التربية على المواطنة وسؤال المرجعيات

تعرف التربية على المواطنة بكونها تربية، تركز على إكساب المتعلمين معارف عن تاريخهم الوطني وثقافتهم، وتمكينهم من قيم ومهارات من أجل المشاركة النشطة الفاعلة والمنتجة داخل المدرسة وخارجها في الحياة العامة.

وتعتمد المدرسة المغربية، على غرار دول أخرى، فلسفة تربوية تقوم على برامج ومناهج تستهدف ترسيخ أخلاقيات وسلوكيات المواطنة الحقة، والتي يفترض أن تظهر مخرجاتها الإيجابية في حياة أفراد المجتمع، باعتبار متعلم اليوم هو مواطن الغد. وعلى هذا الأساس يرتكز تدريس التربية على المواطنة على مرجعيات أساسية منها:

المرجعيات القانونية: أشار الدستور المغربي لسنة 2011 إلى تبني قيم المواطنة، من خلال تصديره الذي أكد فيه على أن « الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات والإنسانية جمعاء» (1)

كما أكد كذلك على « حماية منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء »  (2)

 

المرجعيات التربوية:  تتحدد المرجعية التربوية المؤطرة للتربية على المواطنة في الوثائق التي تؤطر عملية إصلاح منظومة التربية والتكوين ككل. وتشمل:

  • الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والذي نص على أن نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية يهتدى « بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصالح، المتسم بالاعتدال والتسامح… مشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم…متشبعون بروح الحوار، وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون» (3).
  • الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجهات التربوية(يونيو2000)، والتي وضعت بدورها الملامح الأساسية للتربية على المواطنة وحددتها في أربعة ركائز أساسية « قيم العقيدة الإسلامية، وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية، وقيم المواطنة، وقيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية» (4) ، وهي المبادئ نفسها التي نادت بها الرؤية الاستراتيجية (الثوابت الدستورية للأمة المغربية، الهوية المغربية الموحدة، مباد ئ وقيم حقوق الإنسان…). (5)
  • منهاج مادة التربية على المواطنة: حدد منهاج المادة السياق الاجتماعي، والتربوي، والمرجعية الديداكتيكية لمادة التربية على المواطنة، وذلك استنادا إلى مكانة قيم المواطنة وحقوق الإنسان ضمن روح ومنطوق الإصلاح التربوي. وتستمد التربية على المواطنة وظيفتها المجتمعية من مساهمتها في تكوين المتعلم/ الإنسان / المواطن الواعي والممارس لحقوقه وواجباته تجاه الجماعة التي ينتمي إليها (6).

 

المرجعية الديداكتيكية: تستمد مادة التربية على المواطنة مرجعيتها الديداكتيكية من منهاج التربية على المواطنة في المرحلة الثانوية الإعدادية على مفهوم المواطنة…وتعتمد عملية إكساب هذه القيم في المنهاج الحالي على دورة تعلم( اكتشاف ـ رد الفعل ـ فعل) قوامها الممارسة النشطة، من خلال مبادرات ومشاريع يقوم التلاميذ بتخطيطها وتنفيذها وتقويمها (7). والتي تتغيى في مجملها إكساب المتعلمين مجموعة كفايات، عبر مقاربات بيداغوجية نشطة من ضمنها ببيداغوجيا القدوة. ويمكن التمييز بين مجموعة الكفايات التي يُراد ترسيخها لذى متعلمي/ات السلك الإعدادي نذكر منها:

  • إكتساب مفاهيم ومصطلحات في بعدها القيمي والحقوقي؛
  • ترسيخ الوعي بالحقوق والواجبات؛
  • ترسيخ الوعي بالمشاركة المواطنة بما هي تنمية للذات والجماعة؛
  • التدريب على المشاركة المواطنة؛
  • تنمية المهارات الفكرية والمنهجية والفكر النقدي.

 

2ـ واقع ممارسة صفية لا يعكس غايات المنهاج

إن واقع الممارسة الصفية لتدريس مادة التربية على المواطنة (والتي وقفنا عليها في الميدان) تخطيطا وتدبيرا وتقويما، لا تعكس إلى حد بعيد مرامي المنهاج. فوحدات برنامج المادة خلال السنوات الثلاثة بالسلك الإعدادي تُلَقن تلقينا يعيد إلى الأذهان ممارسات ديداكتيكية بائدة لا تمت بصلة للبراديغم المُتبَنى والمتمأسس على المقاربة بالكفايات حيث تُصرَّف في شكل دروس يطغى عليها البعد المعرفي، ويبقى فيها المتعلم مجرد متلقي لمضمون معرفي غير دقيق في أحيان كثيرة. في تعارض صارخ مع ما تم التصريح به في توجيهات المادة، والتي تؤكد على تعلم قوامه الممارسة النشطة، من خلال مبادرات ومشاريع يقوم التلاميذ بتخطيطها وتنفيذها وتقويمها. وهذا الواقع يمكن أن نرجعه إلى صعوبات عدة منها:

  • أن الأساتذة لا يتلقون تكوينا أساسا في التخصص وتعميق التخصص بمادة التربية على المواطنة؛
  • أن مراكز التكوين في حد ذاتها لا يُمارِس فيها مؤطرون مُكوَّنون في تخصص التربية على المواطنة؛
  • أن الأساتذة يعتمدون على مضمون معرفي مستقى من الكتاب المدرسي للتلميذ، دون معرفة عالمة؛
  • أن الطرائق البيداغوجية المعتمدة في فصولنا الدراسية لا تنضبط لنهج ديداكتيكي(دورة التعلم).

3ـ في الحاجة إلى تربية مدنية

إن واقع حال تدريس المادة يستدعي إعادة النظر في مدخلات برنامجها وكذا مخرجاته تدريسا وتقويما. بالانتقال من التربية الوطنية التي تزود المتعلمين بالمعارف الجاهزة، إلى بناء تعلمات تُكسِب الممارسة المُواطِنَة والمشاركة الفاعلة للمتعلمين في أنشطة الحياة المدرسية، والمساهمة في تدبير الشأن التربوي بالمدارس(مجالس المؤسسة، مناديب الأقسام…). ولن يتأت ذلك إلا من خلال تغيير برامج مادة التربية على المواطنة، بالانتقال من التربية على المواطنة بشكلها الحالي إلى اعتماد التربية المدنية Education civique ، بما يكفل بناء المعرفة المرتبطة بالتربية المدنية من خلال اعتماد مقاربات بيداغوجية نشطة تسهم في ترسيخ فعل المواطنة بالفضاء الصفي (اعتماد الوضعية المشكلة بالكتاب المدرسي) من خلال اعتماد تربية تقوم على مزيج من المقاربات الرسمية وغير الرسمية، بشكل تشاركي وشامل ويشجع التحقيق(التقصي) والنقاش والتفكير النقدي(8). وبالتالي تطوير مقاربة ثقافية متكاملة، ومواطنين مسؤولين يعرفون حقوقهم وواجباتهم، من خلال تطبيق هذه المعارف والمهارات في الفضاء المدرسي والمشاركة الفاعلة بمجالسها وأنديتها، وفي الحياة العامة مستقبلا من أجل الصالح العام. ولن يتم ذلك إلا من خلال برامج تستهدف ترسيخ القيم والاتجاهات واتخاذ مواقف واعية. بمقاربات نشطة وتشاركية تستند إلى :

  • اكتساب المعارف المرتبطة بالتربية المدنية ؛
  • اكتساب مهارات المشاركة المدنية وحل المشكلات والتفاوض؛
  • بناء المواقف واعية، وترسيخ السلوكات الإيجابية؛
  • اكتساب مهارة تقبل الآخر، وحس الانتماء والقيم والأخلاق.

 

أن واقع تدريس مادة التربية على المواطنة ومخرجاتها المجتمعية يُسائل في العمق الغايات الكبرى لسياستنا التربوية عموما، وغايات تدريس مادة التربية على المواطنة على وجه التخصيص. باعتبارها الحاملة للقيم والأخلاق. وواقع الحال هذا، يستدعي لا محالة ثورة تربوية وأخلاقية لإعادة الاعتبار للجانب القيمي بالمجتمع، ثورة ترفض الواقع الراهن بتمظهراتة السلبية(الغش، العنف اللفظي، التردي الأخلاقي…) وتتطلع لمستقبل وواقع أفضل تسوده القيم الأخلاقية النبيلة، والمبادرة المواطِنة ، وفضائل السلوك المدني.

 

المراجع:

1: المملكة المغربية، الأمانة العامة للحكومة،  الدستور، سلسلة الوثائق القانونية المغربية، ط 2011 الرباط، ص 2.

2: المرجع السابق ص 3.

3: المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والشباب، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، 1999، ص:7

4: المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والشباب، الكتاب الأبيض، ج1، الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجهات التربوية، يونيو2000 ص 19

5: المجلس الأعلى للتربية والتوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، رؤية استراتيجية للإصلاح 2015 ـ 2030، ص:7

6: المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، مديرية المناهج والحياة المدرسية، منهاج مواد التاريخ والجغرافيا والتربية على المواطنة. شتنبر 2009، ص:17،

7: المرجع السابق، ص: 15.

8 :David Kerr, Citizenship Education: An International Comparison, published as part of the International Review of Curriculum and Assessment Frameworks Project, carried out by the National Foundation for Educational Research in England and Wales (NFER) on Behalf of the Qualifications and Curriculum Authority (QCA) in England, April 1999a, 11,www.inca.org.uk/pdf/citizenship_no_intro.pdf

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى