فن

فيلم كفرناحوم: لن تنتهي مآسي العالم، ما لم يتوقّف الفقراء عن التكاثر

لو سات أنفو محسن برهمي:

من منا لم ير متشردا أو لاجئا في الشارع، أو عند إشارات المرور، لكن لم يعره أي اهتمام أو ينظر إليه على أقل تقدير، فيلمنا اليوم سيغير تفكيرك، أو حتى النظرة التي كنت تحملها تجاه هؤلاء. كفرناحوم هو فيلم دراما لبناني من إخراج نادين لبكي وإنتاج خالد مزنر، والسيناريو الذي يظهر أن كتابته تمت مرات كثيرة من تأليف نادين لبكي وجهاد حجيلي وميشيل كيسرواني بالتعاون مع جورج خباز وخالد مزنر. الفيلم من بطولة الممثل السوري زين الرافعي حيث تدور احداث الفيلم حول طفل يبلغ من العمر 12 عاماً والذي يعيش في أحياء بيروت الفقيرة.

عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2018، حيث تم اختياره للتنافس على السعفة الذهبية، وفاز بجائزة لجنة التحكيم. لاقى الفيلم اعجاب الحضور وتم التصفيق له لمدة 15 دقيقة بعد عرضه الأول في مدينة كان في 17 ماي 2018. وتم نشره على نطاق أوسع بتاريخ 20 شتنبر من العام نفسه. تجدر الإشارة إلى أن الفيلم في نسخته الأولى كانت 12 ساعة، بعدما تم تصوير الفيلم لمدة 5000 ساعة.

عزيزي القارئ إذا كنت بمزاج جيد، ولا تريد أن تحزن أو ان يتغير مزاجك إلى الأسوأ، اخرج الآن ونلتقي بمقالة أخرى، قبل الخوض في تفاصيل الفيلم وأحداثه، لنعرف أولا معنى عنوان الفيلم؛ كفرناحوم قرية فلسطينية ذات رمزية دينية، حيث تم اختيار اسمها كإسقاط رمزي، لارتباطها بموعظة المسيح “عظة الجبل” وبالفوضى التي أصابت القرية واستثنت الأطفال كمغزى رمزي عميق. وقد اختير اسم (راحيل) لرمزية عميقة أيضاً أي رحيل أو مغادرة البلد الأم. حيث من خلال قصة الطفل زين، ومعه نرى عالماً عميقاً ممتلئاً بالتناقضات، عالم العشوائيات والفقر والجهل والمخدرات وزواج القصّر والاستغلال والاتجار بالبشر.

اختارت المخرجة نادين، “الفلاش باك” لحكاية القصة في سيناريو معقد حيناً وبسيط حيناً آخر ، فبين المحكمة التي يجب أن ينتهي فيها الفيلم، نلاحظ أنها هي التي تشكل بدايته، زين وهو طفل لم يعش طفولته بشكل عادي، بل تحمل عناء الاعتناء بالعائلة المدمنة بالمخدرات، فهو يساعد أهله على تهريب المخدرات للمساجين، علاقة زين بوالديه لم تكن جيّدة على أي حال، فأبوه كان مصرّاً على عدم دخوله المدرسة وإجباره على العمل بجهد شاق وبأعمال متعددة ليستطيع توفير المال، فيقرر بعد ذلك مقاضاة والديه بسبب انجابهم له، واخراجه لهذا العالم، يسأل القاضي زين: لماذا تريد مقاضاة أهلك؟ يردّ (لأنّهم خلّفوني)، قد تضنها جملة تافهة،

لكن الفيلم وضعها في سياق آخر، كما فعل بعض الإعلام اللبناني خلال السنوات الأخيرة، حين قام بإحصاء أرقام الحوامل من اللاجئات السوريّات، كأن الاعلام يقول:” لن تنتهي مآسي العالم، ما لم يتوقّف الفقراء عن التكاثر”. ” بدي الكبار يسمعوا شو عم قول، أنا بدي الكبار يلي ما بقدر يربي ولاد ما يجيبن، شو بدي أتذكر بعدين أنا؟ النربيش والجنزير بالشحاطة؟ الدنيا متل الشحاطة يلي لابسها، عم بنشوى فيها متل الفروج الي عم اشتهيه” يقول زين في المحكمة موجها رسالته للعالم، خصوصا ان هذا الطفل لا يتوفر حتى على أوراق تبوث هويته، ما يعني أنه نكرة على هذه الأرض.

الفيلم أو هذا الوثائقي الذي لم تستعمل به الميلودراما، بل تم تقديمه كما هو نقل للحقائق، وتم استعمال ممثلين لاجئين من سوريا كي ينقلوا لنا مباشرة احاسيسهم ” الفيلم قبل تقديمه لمهرجان كان، كان هناك تردد باستعمال موسيقى تصويرية لأنه كان هناك تخوف من أن تخون أمانة رسالة هؤلاء الأطفال وحقيقتهم” كما جاء على لسان منتج وصاحب موسيقى فيلمنا خالد مزنر، يغلب عليه اللون الرمادي وخلوه من الألوان فإشارة إلى أن هؤلاء الفقراء لا طعم لحياتهم، حركات الكاميرا المتسارعة التي استعملتها المخرجة بذكاء تشعرك بالاختناق وأنت تتابع حتى نهايته.

كانت أخته هي متنفس زين الوحيد في الحياة، والتي بعدما نضجت حملها أبوها وزوجها للشاب صاحب الدكان الذي أعطاها له بكل قلب بارد مقابل أربع دجاجات ، صفقة مربحة في نظر الوالد يؤمن فيها لقمة عيشه والستة عشر طفلاً الآخرين الذين أنجبتهم أمُّ زين، لم يتحمل زين وهرب من المنزل ليبقى حبيس الشوارع و عرضة للاستغلال المادي،

لينتهي به الحال محاولاً السفر خارج البلاد بطرق غير شرعية كما تحاول أن تفعل العائلات السورية الأخرى، وأثناء بحثه عن أوراق تثبت قيده مثل هوية أو شهادة الولادة التي لم يجدها، يتفاجأ بأوراق تحمل شهادة وفاة أخته ذات الإحدى عشر عاماً والتي لم تتحمل الجنين في بطنها لتموت أخيراً بنزيف حاد على باب المستشفى التي رفضت إدخالها لعدم وجود أوراق تثبت قيدها. فيهرول بسكين إلى زوجها أملا في الانتقام لطفولتها المغتصبة.

بين اللاجئين، وزواج القاصرات، سيسلط الفيلم الضوء على معضلة كبيرة، وهي الاتجار بالبشر عبر شخصية “راحيل” الخادمة الإثيوبية التي تفعل المستحيل من أجل ابنها “يونس”.

سنرى مرة أخرى كيف اعتنى زين بهذا الطفل ولم يتركه، هل لإن الأم راحيل استقبلت زين أحسن استقبال وعاملته كابن لها، وأنه مجرد اجتهاد من زين لإرسال رسالة مفادها “لا يحس بالفقير إلا الفقير”. راحيل ضحية منظومة قوانين تسهّل العبودية الحديثة، بينما نجد أن القاضي أو المحامي أو الشرطة، وكل أحد خارج عالم الفقراء هم المنقذون دون الأخذ بالاعتبار إذا ما كانت هناك عائلة ترعاها.

أثناء سفره يمر زين بمدينة ألعاب ليتوقف أمامها، لما لا وهو المكان الطبيعي لأي طفل، لكنه هو استثناء فطفولته سرقت، يتعرف زين على شخصية ” صرصور مان” الذي هو ابن عم ” سبايدر مان ” في مشهد كوميدي استعملته المخرجة، لإخراج المشاهد من تلك الأحداث المتسلسلة من الكآبة والحزن.

نشاهد زين يبتسم لمرة وحيدة، وهي في آخر الفيلم حينما يطالب المصور من زين أن يبتسم لأخذ صورة، فنرى كيف تغيرت ملامح زين بعد ساعتين من الوقت، لكن إذا كان زين يمثل حياة هؤلاء لمدة ساعتين في الفيلم، تذكر أن هناك أطفال أخرين هذه هي حياتهم الطبيعية حتى وفاتهم، “الأطفال هم أول من يدفع ثمن الحرب” تقول مخرجة الفيلم نادين لبكي.

في العادة الأفلام لا تطرح حلاً للمشكلة التي يعالجها الفيلم عبر لسان شخصيات الفيلم، بل يترك المشاهد هو الذي يحل المشكلة أو يقترح حلا، لكن في هذا الفيلم الحل أكبر وأعمق، من أن يتحمل المشاهد مسؤوليته. المخرجة كانت محايدة فلم تحمل أي جهة مسؤولية ما يعيشه هؤلاء، فهناك من قال أن الفيلم يمجّد الغني والثري، ويجد الفقير عبئاً وعالة على الحياة، بحيث هو الوباء الذي تصدر عنه كل الشرور، وحين يُدرج في الفن فهو يُدرج ضمن إطار نمطي واحد: البؤس، يدافع الأب عن  نفسه ولا يحمل نفسه مسؤولية هذا الوضع قائلا:” أنا ولدت هكذا، ووجدت نفسي هكذا، أريد أن أصبح أحسن حالا منكم، لكن ما باليد من حيلة”، يضيف ” يا عم نحن حشرة، نحن عار على المجتمع” كأن الأب يقول أن هذا الفقر وهذه الحالة هي وراثية، وأن الفقر دوامة يصعب الخروج منها.

بعد سماعك لأقوال ورد الجميع، من هو المسؤول في نظرك؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى