ثقافة

طوماس بيكيتي : نجم علم الاقتصاد السياسي الجديد

لوسات أنفو : أيوب داهي

طوماس بيكيتي هو عالم اقتصاد فرنسي ولد سنة 1971 في فرنسا من عائلة ذات توجه يساري, هو مدير الدراسات العليا في معهد العلوم الاجتماعية, اشتهر بأعماله حول رأسمالية القرن الواحد و العشرون و يعتبر متخصصا في المالية العمومية و قضايا التفاوت في الدخل.

يحذر توماس بيكيتي في مؤلفه من تنامي التوزيع غير العادل للثروات في القرن الواحد و العشرون

سطع نجم هذا الاقتصادي الفرنسي مبكرا حيث نال جائزة ”يرجو جانسون” التي تمنح للاقتصاديين الاقل من 45 سنة, كما حصل على جائزة أفضل اقتصادي شاب في فرنسا سنة 2022. لكن المحطة الابرز في مسار الاكاديمي و الكاتب الفرنسي ستكون هي اصداره لكتابه ” الرأسمال في القرن الواحد  و العشرون” , و الذي سيحقق رقم مبيعات تاريخي فاق 50000.00 ألف نسخة في الولايات المتحدة الامريكية وحدها , لينتشر بعدها على صعيد واسع في باقي أرجاء المعمور, خاصة في فرنسا و الصين و الهند و يتوقع ان يكون ترجم هذا العمل الى كل لغات العالم.

يحذر توماس بيكيتي في مؤلفه من تنامي التوزيع غير العادل للثروات في القرن الواحد و العشرون, و يحاول في هذا البحث الطموح رصد مختلف الابعاد التاريخية و الاقتصادية للتفاوت الاجتماعي, خلال ثلاث قرون مضت, عبر تفسير و تحليل هذا الواقع, بناء على دراسة تجارب أهم الدول الغنية. حيث ركز على اقتصاد الولايات المتحدة الامريكية و اليابان و ألمانيا و فرنسا و بريطانيا, فضلا عن تخصيص جزء بسيط للبلدان الصاعدة كجنوب أفريقيا و الهند و الصين.

ما يحسب لتوماس بيكيتي ايضا هو تأكيده على حاجة الاقتصاد السياسي الى مختلف الحقول المعرفية الاخرى, خصوصا العلوم الانسانية, حيث يلجأ عندما تشح المعلومات و المعطيات الاحصائية المتعلقة بنمط العيش و الوضعية الاقتصادية للسكان الى النبش في الذاكرة الادبية لبعض الروائيين و كتاب القرن التاسع عشر لجس النبض الاجتماعي حول أنماط العيش السائدة و قيم الثراء و المال و الكرامة آنذاك.

التملك بشكله الحالي هو ظالم و مصدر جميع المشاكل

يهمس بيكيتي في أذن الشعوب المقهورة بمدى التناقض الصارخ  الحاصل بين النمو الاقتصادي و مردودية رأس المال, و كذا التفاوت في الاجور العليا و الممتلكات, و يخلص من خلال مؤلفه الضخم الى جملة من الاستنتاجات الاساسية التي تساعد بلا شك على فهم اشكالية اقتصاد التفاوت الناجم عن الفساد و رداءة الحكامة , حيث يعتبر مسألة توزيع الثروة هي مسألة سياسية و لا ينبغي اختزالها في بعد اقتصادي صرف, بمعنى ان الكارتيلات الاقتصادية التي  تضغط على النخب السياسية الصانعة للقرار الرسمي و تدفع في اتجاه استصدار قوانين و تشريعات تخدم شبكات المصالح السائدة هي التي سهم في الفوارق و التفاوتات الحاصلة , و بالتالي  فان دولة الحق و القانون و المؤسسات التي يجب النضال من أجل اقامتها,  تلعب دورا طلائعيا في دعم قيام مجتمع أكثر عدلا و انصافا لأفراده ما دامت التنمية تكمن في توسيع الحريات الحقيقية للإنسان حتى يعيش الحياة التي ينشدها . و يؤكد بيكيتي على ان نشر و تقاسم المعرفة و  الاستثمار في التأهيل و تكوين الكفاءات كلها عوامل جوهرية تتيح رفع الانتاج و خفض اقتصاد التفاوت, سواء على المستوى الداخلي او العالمي.

ان بناء اقتصاد سياسي تاريخي جديد حسب بكيتي  يجعل دور الدولة مركزيا في التنظيم الاقتصادي و الاجتماعي يقربنا أكثر من نموذج  المجتمع الاكثر عدلا, و هذا يفترض انخراط الجميع في النقاش العمومي لتحسين أداء المؤسسات.  ان صيرورة التراكم حسب هذا الاقتصادي   و تمركز الثروة في عالم يتميز بضعف و هشاشة النمو الاقتصادي مقابل مردودية عالية لرأس المال كلها عوامل مركبة تمثل في حد ذاتها تهديدا رئيسيا في وجه دينامية توزيع الثروات في الامد الطويل, و الصفة غير المتوقعة و الاعتباطية لمردودية رأس المال و مختلف أشكال الاغتناء في المنظومة الانتاجية الليبرالية تضر سيسيولوجيا بقيم الاستحقاق و الانصاف.

يشجب بكيتي أيضا, نزعة الثراء الفاحش باعتباره أشنع تجليات الملكية الخاصة بوصفها مرضا اجتماعيا, و آفة ما كان يجب السماح لها بالمرور الى ذهنية المجتمع و يقترح فرض ضريبة عالمية مقدارها 2 في المائة على كل من تتجاوز ثروته 10 ملايين يورو, و اشراك العمال في ادارة المشاريع و الشركات و اعادة النظر في المعاهدات بشكل يسمح بتداول عالمي لرأسمال يعزز المساعي المبذولة لتحقيق اهداف كبرى من قبيل تقليص انبعاث غازات الانحباس الحراري و تقليل التفاوت الاقتصادي بين شمال العالم و جنوبه.

يبدو ان المشروع الاقتصادي لهذا الكاتب الذي يستهدف اضعاف حقوق الملكية على اعتبار ان التملك بشكله الحالي هو ظالم و مصدر جميع المشاكل هو مشروع على أهميته و نبله غير عملي, حيث وصفه المفكر اليسن شريغر انه اقرب الى العوالم التي تصورها روايات الديستوبيا معتبرا ان الامر سيتجاوز فرض ضرائب الى ان يصل الى مستوى المصادرة و ذلك عندما يتحدث بكيتي في برنامجه عن سن معدلات ضرائب قد تصل الى 90 في المائة في حالات معينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى