روبورتاج

رحلة سحرية إلى السماء من قلب فيافي أرفود

لوسات أنفو: يوسف أزوركي

في عالم الفن، غالبا ما تتحقق الروابط بين الإبداع والروحانية، وهذا ما تحقق بشكل استثنائي في أعمال الفنان الالماني هانس جورج فوط، الذي اجتذبته الصحراء المغربية بسحرها الخاص وجمالها الفريد، وشيد في قلب هذه البيئة القاحلة بالقرب من واحة أرفود، سلسلة من الأعمال الفنية الفريدة والرائعة، وهي تحف فنية ضخمة ومذهلة، تجمع بين الهندسة المعمارية والرياضيات والروحانية، معالم تسافر بك عبر الزمن والثقافات، حيث تتلاقى الروايات الأسطورية والتاريخ في تصاميم تشبه الجسر بين الأرض والسماء، في هدوء لا يضاهى، إن لم يحطمه صوت العواصف الرملية.

بدأ فوط المزداد سنة 1940، في باد هاغزبورغ الألمانية، رحلته الفنية منذ أوائل الثمانيات، واستمرت حوالي عقدين من الزمن ليحقق تحف فنية مذهلة في فيافي الجنوب الشرقي، على بعد حوالي 40 كلم من أرفود، يستمد فوط إلهامه من مزيج الرياضيات والأساطير، وعلم الفلك، والهندسة المعمارية القديمة، والنتيجة ثلاثة اعمال مذهلة، تشترك هذه الأعمال في وجود الآبار كرمز للبقاء في الصحراء، وفي طرق البناء التي استلهمها الفنان وفقا للعمارة المحلية.

الطريق إلى السماء نحو تجاوز محتمل

سلم هرمي مكون من 52 درجة، يرتفع إلى ارتفاع 16 مترا، مع طول قاعدة يبلغ 23 مترا، تؤدي الخطوات الـ 52 إلى منصة أربعة أمتار تحت قمة الهيكل، في هذا المستوى يمكن الوصول إلى غرفتين متداخلتين، بدأ فوط بمساعدة حرفيين محليين في بناء السلم سنة 1980، وانتهت اشغال البناء سنة 1987، تضيق جدرانه الجانبية تدريجيًا حتى يتشكل شق عمودي في القمة. تمثل هذه البنية مرصدًا للظواهر السماوية، حيث تربط درجاته بين الأرض والسماء، مترجما الرغبة الإنسانية في التواصل مع عالم السماء، هذا الفضاء الخارجي الذي يشكل في الميثولوجيا الامازيغية تجلي من تجليات المقدس، فالمرتفعات بما فيها الجبال ينظر إليها في الميث الأمازيغي على أنها تقرب الإنسان من العلو المقدس، حسب الباحث محمد أوسوس الذي يرى في كتابه “كوكرا في الميثولوجيا الأمازيغية” أنه “إذا كانت العوالم الأرضية السفلى مرتعا للظلمات والعقم والقوى الخبيثة المتربصة بعالمنا المؤنسن… فإن عالم السموات العليا يوحى بالسمو والرفعة والارتقاء، ويرتبط في اللغة الامازيغية بالمطر وما يتصل به، إذ للفظة (إيكنا) (وهي مذكر) علاقة واضحة بـ (إسكنوا) وهو السحاب، وتيكنوت التي تجمع على تيكناو، وهي تطلق على المطرة أو على الرعد ذاته في بعض المناطق، تشكل السماء مأوى لكائنات سامية من أرواح وحوريات مثل “تانيرت” في الحكاية الميثية المعروفة (أونامير)” هذه الحكاية التي اختار فيها البطل “حمو أونامير” أن يصعد إلى السماء السابعة بنسره الذي اشترط عليه إعداد سبع شرائح من اللحم على أن يقدم له كل شريحة كلما عبر إحدى السموات لكن إحداها سقطت فأطعمه من ساقه، في سبيل الوصول إلى السماء السبع أملا في الإلتحاق بزوجته تانيرت، وصف الصحفي والمؤرخ الفني والناقد الألماني لوثار رومان صعود السلم السماوي، “الخطوة الأخيرة، في القمة العليا، ليست نهاية في حد ذاتها ولا الهدف، إنها فقط الخطوة الأخيرة للجسد المادي نحو تجاوز محتمل”.

الحلزون الذهبي عودة إلى التاريخ

ينسجم مع تسلسل فيبوناتشي الشهير، تأخذ الهيكلية اللولبية شكلًا دائريًا وتتميز بوجود بئر في وسطها، تم تصميم المخطط الأساسي باستخدام تسعة أرباع دوائر، تمثل هذه اللولبة تسلسلًا رياضيًا يتمثل في أن كل رقم هو مجموع الرقمين السابقين له: 1, 2, 3, 5, 8, 13, 21, 34, 55, 89 … هذا المشروع الفني تم تنفيذه بين عامي 1994 و1997، ينفتح اللولب الذهبي عند قاعدته ليصل إلى 60 مترًا ويدعوك للصعود برفق عبر منحدر من أحجار متراصة، يبلغ مساحته 4800 متر مربع، في القمة، تنزلق العين إلى بئر صغيرة تعكس لون السماء، يوجد هنا سلم دائري يهبط إلى مسكن ثم إلى البئر، في نفس الوقت إلى قطب اللولب الذي يمثل مركز فكرة فوط الفنية، يعكس هذا الشكل الحلزوني النمط الطبيعي للكثير من الأمور في الكون، فيعود بنا إلى التاريخ القديم للمنطقة المعروفة بالمستحاثات والأحفورات التي يتميز بعضها بالشكل الحلزوني، لم يكتف فوط بتصميم هذا اللولب الرائع فحسب، بل اتجه انتقائيًا إلى اختيار المادة الأمثل لبناء هذه الأثرية الفريدة من نوعها، تساءل عن الخامات التي ستعكس بشكلٍ مثالي فلسفة هذا الإبداع، فوجد الجواب في الحجر، حيث يقع البناء بالحجر في صميم تراثنا وثقافتنا المتجذرة، يوحي إلى ربط هذه المنطقة التي تعد أكبر متحف مفتوح للأحفوريات في العالم بتاريخها الغابر، حيث تحتضن هذه المنطقة الشاسعة عدد كبير من البقايا التي تمتد لملايين السنين وتمثل تطور الحياة على سطح الأرض، وصنفت كأخطر منطقة في التاريخ لكونها مُنتجعا للديناصورات بمختلف أنواعها، المائية والبرية والطائرة، منذ حوالي 100 مليون سنة حسب ما كشفته دراسة على مجلة زووكيز العالمية للعلوم، ما يجعل هذا الإبداع يجمع بين الفن والتاريخ والعلم، وينبعث من معالم هذه اللولبة الفنية تذكير بالارتباط العميق بين الإنسان والأرض، وبين الحاضر والماضي.

مدينة أوريون توازن بين الفن والهندسة وعلم الفلك

ونختتم هذه الرحلة بمدينة أوريون (الجوزاء)، وهي مجموعة من أبراج المراقبة بعدد وتصميم كواكب مجموعة الجوزاء، يمثل كل برج من هذه الأبراج أحد النجوم السبعة الرئيسية لهذه المجموعة الفلكية، يتراوح ارتفاعها بين 15 و6 أمتار، عرض وارتفاع الأبراج مرتبطة بسطوع النجم المقابل للبرج. بنية بالطين بالتقنية المعروفة محليا بالتابوت، على مساحة تقدر ب 100 متر طولا و40 متر عرضا، يتم توجيه الزوار إلى الثلث العلوي من الأبراج، الذي يمكن الوصول إليه عبر السلالم الخارجية، حيث تم بناء مقاعد مخصصة لمراقبة الفلك ورؤية النجوم المقابلة، تتم مشاهدة النجوم من خلال فتحات في الأبراج، تم احتساب أبعادها واتجاهها بعناية، ليتمكن الزوار في أوقات محدد من مراقبة نجوم الجوزاء، التي تظهر في أشهر الشتاء، والتي شكلت حولها روايات وأساطير على مر التاريخ، فهي ترمز للصياد في الأساطير اليونانية القديمة، وهي مرتبطة بأوزوريس إله البعث والحساب لدى المصريين القدامى، وقد لاحظ الباحث والمهندس البلجيكي “روبيرث بوفال” Robert Bauval المعروف بـ “نظرية ارتباط الأهرام بكوكبة اوريون” التشابه بين أهرام الجيزة الثلاث وبين النجوم الثلاثة في كوكبة أوريون، وتسأل الباحث الامازيغي الراحل إبراهيم عيناني في كتابه “تين وارير مركزية الهوامش بدون هامش (قصة مثقف بلا حدود)” الذي أعده للنشر الأستاذ سعيد باجي “إن كان هناك ارتباط فلكي – تنجيمي بين “نابتا – بلايا Nabata Blaya” (كأقدم موقع أثري -أركيولوجي- فلكي تم اكتشافه في السنين الأخيرة في الصحراء النوبية، شمال مالي وبين كوكبة “أوريون” والنجمة اللامعة “سيريوس”، فهل هناك من علاقة بالنجوم والسماء والنقائش الصخرية وحروف تيفناغ في كل من “فم الشنا” بدرعة وتلك التجمعات الفنية الصخرية للنقوش الأمازيغية في جبال الأطلس وفي عدة مواقع أثرية قديمة منتشرة في جميع أنحاء المغرب”، تعرف مجموعة النجوم البارزة التي المكونة لنجمة “أوريون” في الثقافة الأمازيغية باسم “أمنار – إمنارن” “ⴰⵎⴰⵏⴰⵔ – ⵉⵎⴰⵏⴰⵔⵏ” وهي تلعب دورًا هامًا في الميثولوجيا الأمازيغية، يروى الميث الأمازيغي أن مجموعة “أمنار” تمر بفترة عقوبة، بعد أن قامت بارتكاب معصية، فتظهر ليلاً خلال فصل الشتاء، حيث تشتد برودة الأجواء ويسيطر البرد القارس، ولا تظهر ليلا في فصل الصيف، حيث تحضر نهارا عندما تكون الشمس حارقة، هذا الظهور الليلي شتاء والحضور النهاري صيفا لهذه المجموعة من النجوم يُرتبط في التصوّر الأمازيغي بالعقاب والجزاء، وهو ما ذكره الباحث محمد أوسوس في كتابه “ك ” حيث أشار إلى الروايات المختلفة “النجوم المشكلة لحزام أوريون (إيمانارن)، فيروى أنها كانت في الأصل رجالا معهم كلبهم (إيركازن د وييدي نسن) ارتكبوا جريمة قتل، فعوقبوا بأن رفعوا إلى السماء، إلى جانب كلبهم”، تم بناء هذه المدينة ما بين 1998 و 2003، وتصميمها مستوحى من كوكبة أوريون بما تحمله من دلالات وتمثلات في مختلف الثقافات، تشكل هذه التحفة المعمارية توازننا مذهلا بين الفن وعلم الفلك، وتجمع هذه التحفة بين الجمال المعماري والعمق الفلسفي.

إن هذه الأعمال الفنية ليست مجرد منشآت أو بنى فلكية، بل قصائد ثلاثية الأبعاد تروي لنا قصة الكون وتنبض بسحر السماء وجمال الفن، إنها ليست مجرد معالم هندسية، بل هي بوابة للاستمتاع بعمق الفضاء والتواصل مع الكواكب والنجوم من خلال لغة فنية فريدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى