وطني

حكومة عبد الله ابراهيم : هذه منجزات حكومة ظلت ذكراها عالقة بأذهان المغاربة

 لوسات أنفو : أيوب داهي

جاءت حكومة الراحل عبد الله ابراهيم في سياق سياسي و اقتصادي و اجتماعي صعب, سمته الرئيسية غليان شعبي و اضطرابات في أغلب مناطق المغرب, فقد كانت منطقة تافيلالت قد أعلنت العصيان على يد القائد ” عدي و بيهي” المدعوم من قبل الفرنسيين و المتحرش بالتواجد الاستقلالي بالمنطقة, كما استعصت مدينة وجدة على الاندماج في النسيج المغربي و ظل جيش التحرير منذ 1956 يسيطر على الجزء الشرقي منها. اما في منطقة الريف فقد كانت الاوضاع اكثر تعقدا بالنظر للغبن الذي انتاب سكان المنطقة جراء مطمحهم في الاستقلال و بعد أن وجدوا أنفسهم مهمشين مقارنة مع سكان المنطقة الجنوبية.

في هذه الظرفية الاستثنائية, نصبت  هذه الحكومة التي تعتبر الرابعة من نوعها بعد حكومتي البكاي في دجنبر 1955 و دجنبر 1956 و حكومة بلافريج   في 12 ماي 1958, وذلك لاختبار مدى قدرتها على مواجهة تحديات  بلد حديث العهد بالاستقلال.

تعيين الاستاذ عبد الله ابراهيم على رأس الحكومة الوطنية  كان بناءا على صفته الشخصية و ليس الحزبية فالراحل كان قد جمد عضويته في حزب الاستقلال منذ تشكيل حكومة بلافريج. و تمثلت مهمة هذه الحكومة أساسا في انقاذ البلاد من وضع الركود الاقتصادي و حالة القلق الشعبي و التذمر المجتمعي الذي رافق التجارب الحكومية السابقة.

منجزات حكومة عبد الله ابراهيم في المجال السياسي :

ارتكز المشروع المجتمعي لحكومة عبد الله ابراهيم على سياسة التحرر الاقتصادي و المالي للمغرب, و على سياسة اجتماعية تتبنى القضاء على كافة مظاهر الاختلالات الاجتماعية من فقر و بطالة, و السعي لاقرار عدالة اجتماعية في اطار نظام ديموقراطي من خلال مؤسساته و مناخه السياسي العام.

حاول الراحل عبد الله ابراهيم خلال فترة ولايته القصيرة وضع مقدمات لإرساء نظام ديموقراطي, و وضع حد لنظام الحكم السلطوي, فابتداءا من شهر شتنبر 1959 أصدرت الحكومة مجموعة من القوانين المتعلقة باجراء  الانتخابات الجماعية و قد حدد ظهير  تركيبة المجلس الجماعي بناءا على العلاقة التناسبية مع سكان الجماعة, و حدد مدة العضوية في المهام الجماعية و طريقة الاقتراع, و أوكل وضع اللوائح الانتخابية و أسند مراجعتها للجان الادارية, كما حدد تركيبة  أعضائها.

 عملت هده الحكومة أيضا, على تعزيز مكانة الحريات العامة عبر جملة من القوانين المتعلقة بحرية الصحافة, و اتخاذ تدابير تكميلية لحماية حرية الرأي الصحفي, و ما يتعلق ايضا بحرية تأسيس الجمعيات.

العمل الديبلوماسي للحكومة :

أكد المغرب خلال هده المرحلة عدم تبعيته على المستوى الدولي, و دعم سياسته العربية على أساس القومية العربية, كما كرس مبادئ التحرر و الوحدة على المستوى الافريقي و التضامن مع باقي دول العالم الثالث.

أكدت الحكومة على احترام مبادئ حقوق الانسان كشرط اساسي في التعامل مع الاقطار الاخرى, كما اتجهت نحو تعزيز المبادئ التي تضاعف من حظوظ ضمان السلام العالمي لدى هيئة الامم المتحدة.

أثمرت جهود هذه الحكومة الديبلوماسية جلاء القوات الامريكية عن القواعد العسكرية الموجودة في المغرب, حيث أسفرت محادثات الرئيس عبد الله ابراهيم مع الرئيس الامريكي ازنهاور على التزام الولايات المتحدة الامريكية بإزالة قواعدها من المغرب في اقل من سنتين, و ذلك ما كان حيث تم اجلاء عدد من المنشئات العسكرية, خاصة مراكز الرادار في نواحي الرباط و ابن جرير و السعيدية, بالإضافة الى مغادرة 20 طائرة نفاثة للبلاد خلال شهر فبراير 1960.

و ايمانا من المغرب بالوحدة المغاربية بما في ذلك الصحراء و مورتانيا, اعتبرت الحكومة آنذاك ان الوحدة هي السبيل الوحيد للخروج بهذه الناحية مما هي فيه من تخلف, كما أكدت ديبلوماسية حكومة عبد الله ابراهيم على ارتباط المغرب بالعالم العربي, بكم ثقافته و تاريخه.

المنجزات في المجال الاجتماعي :

لعل المتغير الابرز الذي وسم المجال الاجتماعي, هو احداث نظام الضمان الاجتماعي و دخوله حيز التطبيق, و هو الذي يضمن للعمال حق التقاعد و الاستفادة من التعويضات عن الامراض و الحوادث المهنية. و من اجل ضمان حقوق العمال و حمايتها أكثر, فقد تمت اعادة النظر في الظهير المحدث لمحاكم الشغل فيما يخص توزيعها على مجموع التراب الوطني.

و اقرت هذه الحكومة ايضا نظام التوازن بين الزيادة في الاثمان و الاستهلاك و بين الاجور التي يتقاضاها العمال. كما رفعت الحكومة من أجور العمال بنسبة 5 في المئة, و أصدرت الحكومة تشريعات تتعلق بنظام التعويضات العائلية التي يمنحها صندوق المساعدة الاجتماعية.

كما أولت حكومة الراحل عبد الله ابراهيم اهتماما خاصا للرعاية الاجتماعية للطفولة المغربية, فاذا كانت السياسة التعليمية قد وضعت برنامجا لتوسيع نطاق الاستفادة من فرص التعليم الاجباري للأطفال بحيث وصلت نسبة الاطفال المتمدرسين سنة 1959 الى ما يناهز 40 في المئة فان نسبة هامة من الاطفال ظلت خارج التغطية, و هم الذين عملت الحكومة على اعادة ادماجهم في المجتمع بواسطة عدة تدابير, من جملتها احداث لجنة عليا للطفولة المهملة و التربية المحروسة من اجل دراسة و اقتراح جميع التدابير المتعلقة بوقاية الاطفال و الشباب المهملين و المعرضين للخطر الاخلاقي.

المنجزات في المجال الاقتصادي :

في سياق السير في طريق التحرر المالي و النقدي و انعاش الحياة الاقتصادية و مغربة القطاعات الحيوية, أقدمت الحكومة على احداث مؤسسات مالية تمكنها من القيام بالقرض المحلي و مراقبة النقد الوطني, و في هذا الاطار تم احداث صندوق الايداع و التدبير. و بهدف تشجيع الادخار الوطني أقدمت الحكومة على احداث صندوق التوفير الوطني لتلقي ايداع الاموال من الجمهور.

و تتميما لهذه الاجراءات, اتخدت الحكومة في اكتوبر 1959 مجموعة من القرارات المالية و النقدية من اهمها قرار تأسيس مراقبة الصرف و نقل رؤوس الاموال و قرار تخفيض العملة و اعلان اعتماد وحدة الدرهم كعملة وطنية مستقلة.

و من أجل تحويل الاقتصاد الاستعماري الى اقتصاد وطني متحرر, كان الامر يقتضي اعادة هيكلة الاقتصاد في اطار تصميم يستهدف اشراف الدولة على عملية تقويم البنيات الاقتصادية و الاجتماعية الموروثة عن العهد الاستعماري. و تطلب ادماج القطاع الصناعي في الاقتصاد الوطني احداث صناعة اساسية تعمل على تحويل المواد الاولية و توفر لمختلف الصناعات الفرعية القاعدة الازمة للنمو.

و من بين المجهودات التي بذلتها الحكومة لإحداث هذه الصناعة, تأسيس صندوق مالي و طني للصناعة الحديدية, و تنظيم مصانع تكرير المنتوجات النفطية. و من أجل دراسة جميع المشاكل المتعلقة بفروع الصناعات, سواء منها الاستهلاكية او الاساسية او التحويلية, تم احداث لجنة عامة للصناعات تشتغل الى جانب المجلس الاعلى للتصميم.

ختاما, يبدو غريبا ان تتم اقالة هذه الحكومة من طرف الملك , بعد هذا السيل العارم من المنجزات على كافة المستويات, لكن الاكيد ان السياسات التي انتهجتها هذه الحكومة قد قضت مضجع الكثيرين, خاصة اولئك الذين أصروا على سرقة استقلال البلاد و توظيفه لخدمة مصالحهم الخاصة و مصالح اللوبيات الاستعمارية المتبقية. سقطت حكومة عبد الله ابراهيم و بسقطتها سقط المغرب و لم ينهض الى اليوم.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى