بورتريه

بورتريه باولو فيريري.. التعليم أداة للقهر أو الحرية

حسن أوزيادي

يمكن النظر إلى باولو فيريري باعتباره أحد أهم خبراء التربية في القرن العشرين. فما بين السجن والنفي إلى تشيلي وجنيف، استطاع أن يبلور ما يُعْرَف بـ “التربية النقدية” التي تسعى للنظر إلى التربية باعتبارها ممارسة للحرية. وساهم في الكثير من الحركات الاجتماعية المنادية بحق التعليم وحق القضاء على الأمية في البرازيل.من بين اهم أعماله “بيداغوجيا الحرية” و”بيداغوجيا المقهورين”

باولو فيريري: مسار  مطبوع بآثار أزمة 1929

في السياق التطوري لفلسفة التربية، نغوص اليوم في عالم أحد فلاسفة التربية ومنظري التربية الحديثة المتماهية مع قيم العدل والتحرر في أمريكا اللاتينية باولو فيريري.

ولد باولو فيريري في وسط أسرة من الطبقة المتوسطة الفقيرة بمدينة ريسيف ،  في 19 من سبتمبر 1921. وعانى فيريري الفقر والجوع خلال الأزمة الاقتصادية لعام1929 ،هذه التجربة كانت بداية اهتمامه بالفقراء وساعدته على تكوين رؤيته للتعليم و خرج منها، فيما بعد، بنظريات ذات تأثير عالمي واسع.

التحق فيريري بكلية الحقوق، جامعة ريسيف في 1943، وهناك درس الفلسفة وعلم النفس ومارس الصحافة. تزوج في عام 1944 من اليسا مايا كوستا دي أوليفيرا، مُدرسة في المرحلة الابتدائية، وأصبح لديهم خمسة أولاد.

في عام 1946، عُين فيريري مديراً لقسم التعليم والثقافة بالخدمات الاجتماعية لولاية بيرنامبوكو. كان عمل فيريري يتركز في الأساس على العمل مع الفقراء الأميين وبدأ في تبني منهج غير أوصولي وكان يعتبر  القراءة و الكتابة  أحد الوسائل المؤدية لتحقيق  لاهوت التحرير .

في عام 1987، نشر باولو فيريري أول مؤلفاته” التعليم ممارسة للحرية” وحظي الكتاب بقبول جيد، وعُرض  عليه منصب مدرس زائر بجامعة هارفرد 1969وفي 1968 كتب كتابه الشهير ” تعليم المقهورين” والذي نُشر باللغتين الإنجليزية والإسبانية في 1970. ونظراً للصراع الذي كان قائمًا بين فيريري الاشتراكي المسيحي والديكتاتوريات المستبدة المتتابعة لم ينشر الكتاب في البرازيل حتى عام 1974 عندما تولى الجنرال أرنستو جزيل حكم البرازيل وبدأ عملية تحرير ثقافي في البلاد.

التعليم أدة للهر أو طاقة للتحرر

باولو فيريري يرى في التعليم وسيلة للثورة على القهر، وصولاً إلى الحرية وإلى تمكين المقهورين من مقدراتهم. ومنهجه في تحقيق ذلك يرتكز على “الحوار” الذي يتبادل فيه المعلم والمتعلم أدوارهما، فيتعلم كل منهما من الآخر، ويصبح موضوع الحوار الذي يدور في الغالب حول أوضاع المتعلمين المقهورين الحياتية، هو المدخل إلى تعليمهم القراءة والكتابة. وهذا المنهج مناقض لمنهج آخر أسماه فيريري “التعليم البنكي”، الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات التي تحتويها المقررات في أدمغة المتعلمين الذين يقتصر دورهم على التلقي السلبي لتلك الإيداعات. ومن شأن ذلك “التعليم البنكي” أن يخرج قوالب مكررة من البشر تساهم في تكريس الوضع القائم، ولا تسعى إلى تغييره مهما احتوى على أوضاع جائرة!

لذلك وضع فيريري عدة كتب بث فيها عصارة أفكاره، ومن أهمها كتاب “تربية الحرية.”. ..الأخلاق والديموقراطية والشجاعة المدنية“، الذي يربط فيه بين أبعاد تربية الحرية والأخلاق والديموقراطية والشجاعة المدنية ويبين الخطوط الفاصلة. بين أن يكون التعليم أداة للقهر أو طاقة للتحرر، وذلك على النحو التالي:

– المسؤولية الأخلاقية: يرى فيريري أن المسؤولية الأخلاقية في ممارسة مهنة التعليم وفي عملية إعداد المعلمين لا ينبغي أن تُختزل أبدًا في صورة التدريب، بل يجب أن تتجاوز الإعداد الفني، وأن ترتبط بجذور التشكيل الأخلاقي للذات الإنسانية والتاريخ الإنساني. وبالتالي يجب أن تلتصق المسؤولية الأخلاقية بالمهنة التعليمية.

– الديموقراطية: إذ يجب ألا يكون المدرس فقط هو مصدر المعرفة الوحيد، وكأن المتعلمين ليس لديهم أي معرفة أو خبرة، وهو الذي يتكلم ويشرح، وهم يستمعون وينصتون، وهو الذي يُودِع المعرفة في عقولهم وعليهم أن يختزنونها، وهو الذي يسأل وعليهم أن يجيبوا من مخزون ما أودعَهم من رصيده المعرفي. ومن ثم يصبح موقف التدريس في الفصل الدراسي وفي الجو المدرسي أوامر وعلاقات تسلطية أحادية يتحرك من أعلى إلى أدنى. مما ينعكس على نمط العلاقات السياسية غير الديموقراطية في المجتمع، ويؤدي إلى ترسيخه وإعادة إنتاجه.

– الاستقلالية: وفي مواجهة مواقف القهر والتسلط في الممارسات التعليمية، يدعو فيريري بشدة إلى أهمية تنمية روح الاستقلالية لدى المتعلم، واحترام ما لديه من معرفة. وهذا يقتضي أن تقوم عملية التعليم على أساس المنهج الحواري الذي يشجع فضول رغبته في المعرفة، والتساؤل الرحب الفضولي، والتفاعل الحقيقي بين المعلم والمتعلم، وعلى ممارسة التفكير النقدي في فهم الواقع المعاش والاستقلالية في اتخاذ القرار. وهي قدرات لا تنمو وحدها، ولكنها تتبلور نتيجة عوامل متعددة تؤدي إلى النضج السليم أو إلى تشويه هذه القدرات.

وفي هذا الإطار يقول فيريري لا يصبح أحد فجأة ناضجًا في الخامسة والعشرين من عمره، إذ إننا نصبح ناضجين مع كل يوم يمر علينا. إن الاستقلالية عملية نضج، أي عملية تشكيل الوجود، وهي لا تحدث في وقت معين، وإنما هي رهنية بالخبرات التي تثير اتخاذ القرار والمسؤولية. وبهذا المعنى يجب أن يرتكز تعليم الاستقلالية على حق الحوار والحديث مع الآخر، لا الحديث إلى الآخر.

  • الشجاعة المدنية أو الأخلاق: إن الدور الفاعل للإنسان في مسيرته التاريخية عبر صراعات القوى والمصالح هو السعي من خلال الشجاعة المدنية والمغامرة والمخاطرة لصنع حياة أفضل، مما يتطلب الالتزام واختيار المواقف المتسقة مع الطبيعة الأخلاقية التي تخاصم ما ليس صحيحًا أخلاقيًا.
  • الحرية: إذ يجب احترام قدرة المتعلم الإبداعية واستثارتها. ولهذا السبب ينطوي التفكير بشكل صحيح على مسؤولية المعلم والمدرسة، بحيث لا تتوقف تلك المسؤولية عند احترام أنواع المعرفة الموجودة بصفة خاصة بين الطبقات الشعبية، ولكنها تمتد إلى مسؤولية مناقشة المتعلمين في منطق هذه الأنواع من المعرفة وفي علاقتها بمحتواها. فمثلاً لماذا لا يتم أخذ المتعلمين في تجارب حية إلى المناطق الفقيرة من المدينة عند مناقشة قضية الفقر؟
  • المخاطرة : تقبل الجديد ورفض التمييز. فلا يمكن رفض الجديد لمجرد أنه جديد، كما لا يمكن رفض القديم لمجرد أنه زمنيًا لم يعد جديدًا. فالأفكار المسبقة عن العرق أو الطبقة مثلاً تسيء إلى جوهر الكرامة الإنسانية، وتشكل إنكارًا جذريًا للديموقراطية. وبهذا المعنى لا يكون التدريس مجرد ألفاظ تقال عن تجربة يتم وصفها، بل سلوكًا يُفعل ويعاش ويشكل نوعًا من الشاهد على الحقيقته التي لا تنكر.
  • نقل المعرفة: في سياق حديث فيريري عن كيفية القيام بالتدريس يحاول الإشارة إلى بعض الخصائص التي يحتاج المدرس الديموقراطي إلى أن يتحلى بها في علاقته بحرية المتعلمين كالاعتراف بالنقص المعرفي ، والنقص الذي نعنيه هو أساس التربية كعملية مستمرة، فالناس قادرون على التعلم فقط إلى الحد الذي هم به قادرون على إدراك أنفسهم على أنهم كائنات ناقصة، فالتعليم ليس هو ما يجعلنا قابلين للتعلم، بل وعينا بأننا ناقصون هو ما يجعلنا قابلين للتعلم. وهذا أصل أساسي من أصول الممارسة التربوية وإعدادنا للتدريس. فبشكل مثالي يجب على المعلمين والمتعلمين والموهوبين معًا، الإلمام بأشكال المعرفة الأخرى التي نادرًا ما تكون جزءًا من المناهج.

فالمدرس الذي لا يحترم فضول المتعلم في تعبيراته الجمالية واللغوية، ويسخر من تعامله معه، إنما ينتهك مبادئ أخلاقية أساسية للشروط الإنسانية.

التواضع والتسامح والنضال من أجل حقوق المعلم: إذا كان هناك شيء يجب أن يعرفه المتعلم في سنواته المبكرة، فهو احترام المعلمين والتعليم نفسه، بما في ذلك النضال من أجل رواتب تستحقها مهنة التدريس. وبهذا يجب فهم مؤازرة دفاع المعلمين عن كرامتهم وحقوقهم على أنها جزء لا يتجزأ من ممارستهم للتدريس. وهذا شيء ينتمي أساسًا إلى الأساس الأخلاقي لهذه الممارسة، ولا يأتي من خارج نشاط التدريس، فهو شيء متكامل معه، فالنضال من أجل إضفاء الكرامة على ممارسة التدريس جزء من نشاط التدريس مثله في ذلك مثل الاحترام الذي يجب أن يكنّه المعلم لهوية المتعلم، لذاته ولحقه في أن يكون. وفي هذا الإطار يشير فيريري إلى أن احترام المعلم للمتعلم يتطلب منه غرس التواضع والتسامح عند ممارسة عملية التدريس.

  • الفضول: إن المعلم الذي تسيطر عليه اتجاهات تسلطية أو أبوية تخنق فضول المتعلم، ينتهي الأمر به إلى خنق فضوله هو نفسه، فليس هناك أساس أخلاقي ممكن لإنكار التعبير عن الفضول لدى الآخر. فالبيئة الديموقراطية والتعليمية الملائمة التي يجب العمل فيها هي بيئة يتقدم فيها المتعلم في تعلمه من خلال خبراته الفعلية، وهي البيئة التي يكون الفضول فيها (كتعبير عن الحرية) حدود بالضرورة. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أنه علينا تقليص نشاطنا التدريسي ليصبح مجرد تداول الأسئلة باسم الدفاع عن ضرورة الفضول، فالحاجة إلى الحوار لا تقلل بأي حال من الأحوال من الحاجة إلى الشرح والعرض الذي يقدمه المعلم من خلال فهمه ومعرفته بالموضوع، وإنما الأساس في هذه العملية هو أن يعرف كل من المعلم والمتعلم أن التساؤل المفتوح والجاد أساسه التبادل.
  •  ‘تربية الحرية” بروافدها الثلاثة: الأخلاق، والديموقراطية، والشجاعة المدنية. على اعتبارها صورة مصغرة لتوضيح العلاقة بين “السلطة” و”الحرية”

  • فعل إنساني: يرى فيريري أن الخصائص الأساسية التي يمكن أن تكشف عنها ممارسة تدريس ديمقراطي معترف به في علاقة هذه الممارسة بحرية المتعلمين هي الكفاءة، لا يوجد شيء يسمى سلطة التدريس دون هذه الكفاءة. فالمعلم الذي لا يتعامل مع تعليمه بشكل جيد، ولا يدرس، ولا يبذل سوى النذر اليسير من الجهد لمواكبة الأحداث، ليس لديه سلطة ليشرف على أنشطة الفصول الدراسية. ولا يعني هذا بالتأكيد أن اختيار المعلم وممارسته الديموقراطية من الأمور التي تحددها الكفاءة العلمية، فهناك من المعلمين من هو مُعد علميًا، غير أنه ديكتاتوري تمامًا في ممارسته، أي أن عدم الكفاءة العلمية يدمر السلطة الشرعية للمعلم. في اتخاذ القرار الواعي والمعبر عن الضمير الحي. فالتربية هي ذلك الفعل الإنساني الخاص، الذي يعتبر شكلاً من أشكال التدخل في العالم. والتدخل هنا يعني الرغبة في إحداث التغييرات الجذرية في المجتمع في مجالات كالاقتصاد والعلاقات الإنسانية والملكية، والحق في التوظيف، وفي التعليم، وفي الصحة وغيرها.

إن الأساس الأخلاقي والسياسي للتربية   يقوم على الحوار الذي من الممكن أن يُجعل منه ثراء متميزًا وجمالاً. وميزة االحوار أنه يؤدي بنا إلى التبصرة بنواقصنا المعرفية، ومن ثم يجب على تعليم المعلم بضرورة هذا النوع من المعرفة والأهمية الواضحة لمعرفة المعلمين للسياق البيئي والاجتماعي والاقتصادي بالمكان الذي يحيط بهم ويقومون بالتدريس فيه. ولا يكفي أن يكون لدى المعلم معرفة نظرية بهذا السياق، بل يجب أن يكون لديه أيضًا معرفة واقعية للواقع  الذي يعمل فيه المعلم. من الضروري أن يكون المعلم منفتحًا على رعاية مصلحة متعلميه وعلى تجربة التربية التي يمارسها، وذلك لأن عدم احترام التربية والمتعلمين والمعلمين يفسد حساسيتنا وانفتاحنا على رعاية مصالح الممارسة التربوية. إن المعلم صاحب العقل المنفتح على الآخرين وعلى العالم يحتاج إلى تلك المعرفة التي تهتم بالطبيعة الإنسانية الخاصة لفن التدريس، والتي تحمل بين جنباتها رعاية المتعلمين الذين هم في أطوار عملية التشكيل والتغيير والنمو، وإعادة توجيه حياتهم لبلوغ أحوال أفضل.

تلك هي مقومات الرسالة وملامحها التي أراد فيريري أن يبلغنا إياها، والتي حملت عنوان ‘تربية الحرية” بروافدها الثلاثة: الأخلاق، والديموقراطية، والشجاعة المدنية. على اعتبارها صورة مصغرة لتوضيح العلاقة بين “السلطة” و”الحرية”

يمكن النظر إلى باولو فيريري باعتباره أحد أهم خبراء التربية في القرن العشرين. فما بين السجن والنفي إلى تشيلي وجنيف، فإنَّه استطاع أن يبلور ما يُعْرَف بـ “التربية النقدية” التي تسعى للنظر إلى التربية باعتبارها ممارسة للحرية. وساهم في الكثير من الحركات الاجتماعية المنادية بحق التعليم وحق القضاء على الأمية في البرازيل.من بين اهم أعماله “بيداغوجيا الحرية” و”بيداغوجيا المقهورين”.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى