بورتريه

بوب مارلي: رصاصتان اثنتان ومصير مشترك

من بداياته المتواضعة في جامايكا إلى شهرته العالمية، ثم رحيله الذي لم ينه تأثيره

لوسات أنفو: إلياس أبو الرجاء

تلقى بوب مارلي رصاصة في ذراعه خلال محاولة لاغتياله عام 1976، وبقيت الرصاصة عالقة في ذراعه طيلة حياته، أما الرصاصة الثانية فهي التي أطلقها من موسيقاه بكل الرسائل التي تحملها، وبقيت هي الأخرى عالقة في أذهان كل عاشق لموسيقى الريغي.

 

لم يكن أيقونة موسيقى الريغي مجرد مغني، بل كان رسالة سلام ووحدة، وصوت الفقراء والمظلومين من خلال أعماله الموسيقية التي تحمل رسائل قوية عن السلام والعدالة الاجتماعية والحب.

وبقدر ما كانت كلمات أغانيه تلامس القلوب، كانت قصته الشخصية أيضًا مصدر إلهام حقيقي. من بداياته المتواضعة في جامايكا إلى شهرته العالمية، ثم رحيله الذي لم ينه تأثيره، بل زاده قوة وأثرا.

 

لقمة العيش بين أمريكا وجامايكا

في قرية سانت آن بجامايكا، ولد بوب مارلي في السادس من فبراير عام 1945، تحت اسم “روبرت نيستا مارلي”، لأب إنجليزي أبيض، كان يعمل ضابطا في البحرية البريطانية يدعى الكابتن نورفال مارلي، وكان في أواخر الستينيات من عمره، عندما تزوج من الجامايكية السوداء سيديلا بوكر ذات الـ 18 عاما، هجرهما بعدها بسبب ضغوط من عائلته الإنجليزية التي عارضت الزواج بشدة، ولم يره بوب ووالدته سوى مرات قليلة على فترات متباعدة حتى وفاته عام 1957.

شكلتهذه البدايات الصعبة شخصيته وألهمته لاحقًا في رحلته نحو الشهرة والنجاح، حيث استمد بوب مارلي قوته وإلهامه من تجاربه الصعبة، وجعلها جزءًا لا يتجزأ من رسالته الفنية والإنسانية.

بعدما هاجرت والدة بوب مارلي، وانتقلت إلى ولاية ديلاوير الأمريكية، حيث وجدت فرصة لتحسين وضعها المالي. قررت أن تبدأ حياة جديدة وتوفر الأموال لعائلتها، حيث اشترت تذكرة سفر لابنها بوب مارلي لينضم إليها في أمريكا، على أمل أن يجد فرصًا أفضل للعمل والحياة. وقبل سفر بوب إلى أمريكا، تعرف على فتاة تدعى ريتا مارلي، التي أحبها بشدة. وفي العاشر من فبراير عام 1966، قرر بوب الزواج منها والسفر إلى أمريكا للحاق بوالدته هناك، حيث بدأ مشواره في البحث عن فرص عمل وحياة جديدة.

اشتغل في البداية كعامل نظافة في أحد الفنادق، ثم انتقل للعمل في مصنع للسياراتحيث أمضى ساعات متأخرة من الليل في مجهود متواصل من أجل توفير المال لطموحه الموسيقي، قبل أن يقرر العودة إلى جامايكا، بعج ثمانية أشهر مليئة بالتحديات والتجارب في أمريكا، حاملاً معه تجاربه وخبراته التي ستصبح رافعة لنضاله وفنه في المستقبل. تلك الفترة من حياته لم تكن فقط فترة من البحث عن العمل والاستقرار، بل كانت فترة تشكيل لشخصيته وفهمه للعالم.

“البكاؤون” الذين لا يحملون من اسمهم شيئا

أبدى بوب اهتماما بالموسيقى في سن الثانية عشر، خصوصا بعدما وجد جده بارعا في عزف الكمان وآلة الأكورديون، فكان يستمتع بموسيقى “Ray Charles” خلال الوقفات الموسيقية للمحطات الإذاعية.

وفي سن السادسة عشر، انتقل بوب من سماع الموسيقى إلى ممارستها، بعدما أدرك أنها ملاذه الوحيد للهروب من الفقر والتهميش والعنصرية.

قام عام 1962 بتسجيل أولى أغانيه، “Judge Not” في استوديو المنتج المحلي، ليزلي كونج، وتلاها كل من أغنية “One Cup of Coffee” و “Do You Still Love Me?” و “Terror” وتم إذاعة الاغاني تحت اسم مستعار وهو بوبي مارتيل.

إلا أن الأغاني لاقت نجاحا متوسطا، ما دفع بوب لتغيير استراتيجيته في الموسيقى، فعوض أن يغني لوحده، قرر تكوين فرقة موسيقية مع خمسة من أصدقائه، أطلقوا عليه في البداية اسم “Teens”  أي “المراهقون”، قبل أن يستقروا أخيرا على اسم“The Wailers”  أي ” البكاؤون”.

في عام 1964، أصدرت المجموعة أغنيتها الأولى “Summer Down”، وحققت الأغنية نجاحا باهرا، تصدرت المبيعات في جامايكا فور صدورها. وفي السنوات القليلة التالية، ذاع صيت “الويلرز”في جميع أنحاء جامايكا حيث أصدروا أكثر من ثلاثين أغنية، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتحافظ المجموعة على استمراريتها، فالأوضاع المادي المزرية اضطرت ثلاثة أعضاء منها من بينهم بوب للهجرة إلى أمريكا بحثا عن فرص أفضل.

نقطة التحول في مسيرة بوب مارلي ومجموعته “The Wailers” كانتعام 1972، عندما قابل بوب المنتج الجامايكي من أصل بريطاني وصاحب شركة “Island Records”، كريس بلاكويل، الذي قام بإنتاج ألبومه “Catch a Fire”، والذي حقق نجاحًا هائلًا وزادت شهرة المجموعة بفضله. تغير هيكل الفريق بعد ذلك عدة مرات، إلا أن بوب مارلي ظلالقطعة الأساسية والمغني الرئيسي، وانضمت زوجته ريتا إلى الفريق ضمن الثلاثي الشهير “The I-Three”.

في عام 1976، أصدرت “الويلرز”ألبوم “اهتزاز رجل الرستفاري” “Rasta Man Vibration” الذي حقق مبيعات قياسية، وهو نفس العامالذي حصلت فيه على لقب “فرقة العام” من مجلة رولينغ ستونز العريقة. كما تم تتويج بوب مارلي كأعظم “نجم غنائي” في العالم الثالث، مما أكد مكانته وتأثيره العظيمين في عالم الموسيقى والثقافة العالمية.

عاماواحدا بعد ذلك،أصدرت المجموعة ألبومها الأشهر “Exodus” الذي تصدر المبيعات في بريطانيا، وحققانتشارا كبيرا في أمريكا خاصة بين السود.

لتكون السنوات التالية في عمر المجموعة وبوب مارلي مليئة بالإنجازات والنجاحات المتتالية، ففيها توج بوب بميدالية السلام من الأمم المتحدة في نيويورك لدوره في نشر السلام عبر الفن. وأصدرت المجموعة ألبومها الثاني “Babylon By Bus”، ثم ألبوم“Survival” الذي خصصه بوب من أجل الدعوةإلى الوحدة الافريقية، وواصلت الويلرز فيه جولاتها العالمية.

صارت أغاني المجموعةمثالا للثورة والتمرد، خاصة أغنيتهم المؤثرة “Get Up, Stand Up” التي  أصبحت  نشيدًا عالميًا لكل التوّاقين للحرية والداعين إليها.

الداعي إلى السلام لا يلقاه

 كان بوب مارلي يتناول في أغانيه مواضيع تتعلق بالثورة والسلام والحب، بصدق وإخلاص، حيث لم تكن مجرد شعارات رنانة، بل كانت تعبر عن قيمه ومعتقداته. لم يكن في أغانيه أي شكل من أشكال الادعاء أو الزيف، ما جعل أغانيه تترك أثرا عميقافي جمهوره حيث استطاعت رسالته أن تتفاعل مع قلوب وعقول الكثيرين وتلهمهم للتفكير والعمل نحو السلام والعدالة.

لم يحظ بوب بالسلام الذي كان يدعو إليه، فقد تعرض عام 1976 لمحاولة اغتيال، رفقة زوجته، حيث أصيبوا بجروح خطيرة ونجوا من الموت بأعجوبة. ولكن بوب لم ينج من الرصاصة التي اخترقت ذراعه، والتي رافقته طيلة حياته وحتى مماته، لأنه رفض إجراء عملية جراحية لإزالة الرصاصة خشية أن تؤثر على قدرته على العزف على الجيتار، ما يظهر تفانيه في الفن والموسيقى حتى آخر لحظة من حياته.

وقع هذا الحادث قبل الحفل الذي كان سيحييه بوب بطلب من الحكومة، للحث على السلام بين مؤيدي الحزب الوطني الحاكم ومؤيدي حزب العمال المعارض الذين اندلعت بينهم حرب أهلية. وبالرغم من عدم وجود انتماء سياسي معين لدى بوب، فقد وافق على الطلب، وغنى في الحفل الذي حمل اسم “ابتسامة جامايكا” والذي قال فيه جملته الشهيرة “إن الناس الذين يحاولون جعل هذا العالم أسوأ، لا يأخذون يوما عطلة، فكيف أستطيع أنا فعل ذلك؟”

وفي عام 1978، تفاقم الوضع السياسي بجامايكا وتصاعدت حدة الحرب الأهلية، فلجأت الحكومة إلى بوب مارلي ثانية، للتهدئة وإنهاء الصراع، وهو ما تم بعدما أحيا حفلا مجانيا وجمع زعيم الحزب الحاكم وزعيم المعارضة على خشبة المسرح وجعلهما يتصافحان.

السلام الأبدي

في يوليوزمن عام 1977، تم تشخيص بوب مارلي بالإصابة بسرطان الجلد الخبيث، الذي كان يتواجد على إصبع قدمه الكبير. تطور المرض نتيجة إصابة قديمة حدثت خلال مباراة كرة قدم. رفض بوب بتر إصبعه، لأنه كان يعشق كرة القدم وكان يرغب في الاستمرار في ممارستها. بالإضافة إلى ذلك، هناك عامل ديني، فالراستافارية ينظرون إلى البتر بشكل سلبي أيضا، حيث يعتقدون أن الإنسان يجب أن يحتفظ بجسمه كاملاً، دون أي تدخل جراحي يؤدي إلى فقدان جزء منه.

ازدادت الأمور سوءا بالنسبة لبوب، فقد انتشر السرطان في جميع أنحاء جسده، بما في ذلك دماغه ورئتيه وكبده، خضعمارلي لعلاج غير تقليدي في ألمانيا وتمكن بعد ذلك من محاربة السرطان لعدة أشهر. ومع ذلك، سرعان ما أصبح من الواضح أن مارلي لم يكن لديه وقت أطول للعيش.

انطلق الموسيقي الثائر في رحلته الأخيرة إلى جامايكا، ليحصل على وسام الاستحقاق من الحكومة الجامايكية، لكن رحلته لم يكتب لها أن تكتمل، حيث توفي مارلي في ميامي في 11 مايو 1981 عن عمر يناهز 36 عامًا.

بوبالذي كان محبوبًا من قبل شعب جامايكا، حظي بتوديع الأبطال. قدم أكثر من 30 ألف شخص احترامهم للموسيقي خلال حفل تأبينه الذي أقيم في الساحة الوطنية في كينغستون بجامايكا. غنى مجموعة من أًصدقائه بالإضافة إلى فرقة “The Wailers”في حفل توديعه.

أثارت وفاته معركة قانونية عن ممتلكاته، لأنه لم يترك وصية. قيل إن أرملته ريتا أُجبرت على التوقيع على وصية مزورة في أواخر الثمانينيات؛ سرعان ما سيطرت الحكومة الجامايكية على العقار وباعته لرئيس شركة Island Records، كريس بلاكويل. وبعد معركة قضائية، حصلت الأسرة على الحيازة في عام 1991.

بوب مارلي تم اغتياله؟

بالموازاة مع استمرار نجاح أعمال بوب بعد وفاته، استمرت الفرضيات حول أسباب وفاته بالظهور واحدة تلو الأخرى، كان آخرها أن الـ”CIA”بأمريكا متورطة في قتل الأيقونة الأمريكية، حيث  نقلت إحدى الصحف التي تحظى بشعبية كبيرة،اعترافات شخص اسمه بيل أوكسلي، وصفته بالضابط السابق بالـ”CIA” ادعى أنه تنكر بشخصية مصور بصحيفة “نيويورك تايمز”، ليتلقى الفنان الجامايكي ويهديه حذاء مميزا. وتابع أوكسلي: “عندما ارتدى الحذاء صرخ، لقد جرح نفسه بمسمار ملوث بفايروس وبكتيريا تسبب السرطان”، وهو الأمر الذي تسبب بوفاته لاحقا، إلا أن الخبر تبين أنه لا يستند إلى أي دلائل ملموسة، كما أن الصحيفة التي انتشر عنها الخبر بشكل واسع، نقلته عن إحدى الصحف المعروفة بنشرها للأخبار الزائفة، ما يفند هذه الفرضية ويجعلها غير قابلة للتصديق.

«أكثر الفنانين تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين» حسب تعبير جريدة نيويورك تايمز، ترك بصماته العميقة في عالم الموسيقى وفي قلوب الملايين حول العالم.بموسيقاه الناضجة وكلماته العميقة، ألهم وحرك الأجيال، وأعطى صوتا للمستضعفين والمظلومين، كانت رسالته واضحة، حيث دعا إلى السلام، ونبذ العنف، والحب، والوحدة الإنسانية. عاش حياة قصيرة لكنها كانت كافية لتحمل قمصان الشباب اليوم صوره، رفقة علم جامايكا كرمز لكل ما كان يدعو إليه.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى