مذكرات

الكوتشي، علامة مراكش المسترخية التي تحولت إلى ديكور

لوسات أنفو: باسم الشغوف

هذه الخاصية الذي يحظى بها الكوتشي، تتجاوب إلى أقصى الحدود مع النزوع النوستالجي و الغرائبي للسائح الغربي الذي يقصد مراكش، و الذي لا يرغب أن يرى فيها نفس الآثار الذي خلفها وراءه في المدينة الغربية المعاصرة

طرح علي صديق يعمل صحفيا في إحدى الجرائد العربية هذا السؤال:” نحن في العقد الثالث من الألفية الجديدة، و الكوتشي ( عربات لنقل الركاب مجرورة بالخيل) مازال يتحرك في قلب مراكش، ما هو سر هذا الصمود؟ و ما نقط قوة هذه الوسلة التي ورثناها من زمن لا نعرفه؟ بعد تردد و تفكير أجبته بهذا النص :

“سر هذا الصمود يكمن  بالدرجة الأولى في انسجامه مع طبيعة التركيب المعماري لمدينة مراكش العتيقة، و ممراتها العمومية التي تتسم بالضيق و الالتواء و التقارب، ليس كما الأمر بالنسبة للمدينة الحديثة التي تضم الأحياء الكولونيالية، و التجمعات التي شيدت بعد الحصول على الاستقلال، و التي بنيت كلها من خلال مركزية الشارع الكبير المنبسط بين نقطتين متباعدتين، تفرض الحركة فيه التنقل بوسائل أسرع قادرة على التهام المسافات. بمعنى ما إن سر صمود الكوتشي هو أنه عنصر متماه مع شخصية المدينة العتيقة بوصفها امتدادا لتجربة تاريخية و ثقافية سابقة منحدرة من عصور قديمة لا علاقة لها بشخصية المدينة الحديثة التي هي إنتاج لعصرنا بكل قلقه و مشاكله و سرعته. و بالطبع فهذه الخاصية الذي يحظى بها الكوتشي، تتجاوب إلى أقصى الحدود مع النزوع النوستالجي و الغرائبي للسائح الغربي الذي يقصد مراكش، و الذي لا يرغب أن يرى فيها نفس الآثار الذي خلفها وراءه في المدينة الغربية المعاصرة، و لذلك وجد الكوتشي بعدما فقد أهميته داخل الامتدادات العمرانية خارج السور التاريخي وسط العمارات المكتظة و الشوارع المتزاحمة التي تنافس فيها السرعة نفسها، في النشاط السياحي مبررا آخر لاستدامة وجوده و فعاليته.

أما دراجة س 90 فهي التعبير الآلى عن تحول المدينة و من يحيون داخلها إلى وسائل متوترة، و فضاءات متكلفة يتحكم فيها هاجس السرعة و الاستعجال الذي لا يطاق، إنها التعبير عن حياة إنسانية مأخوذة بزمن تكنولوجي متوتر.

ما هو الرابط القوي بين المدينة والكوتشي؟

أشار غاستون دوفيردان، في كتابه الهام ” مراكش من التأسيس إلى الحماية” و هو يتحدث عن مراكش في نهاية القرن 19 و السنوات الأولى في القرن العشرين، أي قبل توقيع السلطان مولاي حفيظ على معاهدة الحماية، إلى أن الحمار  كان يحظى بأهمية قصوى في صنع الحياة اليومية بمراكش إلى حد أنه قال بالحرف ” لولا الحمار لكانت الحياة مستحيلة بمراكش قبل سنة 1912.” فهو كما يقول صغير الحجم، ينسل في كل مكان و يشق طريقه بعناد وسط الزحام. المثير هنا  أن دوفيردان لم يشر إلى الكوتشي. لكن الأهم  هو أن العربات المجرورة بالخيل، المعدة لنقل الناس بين أحياء المدينة العتيقة، لا تمثل مجرد وسيلة، و إنما أسلوب في الحياة كان سائدا في مدينة البهجة، و هو أسلوب يقوم على البساطة و التأني و الهدوء بعيدا عن أي تكلف أو تصنع . لنقارن بينه و بين دراجات س 90 ذات السرعة القاتلة التي تنتشر اليوم بشكل واسع لدى الفئات الشعبية.  إذ أن الكوتشي يعكس زمنا إنسانيا مسترخيا، و ليس متوترا، و يوفر حركة منسجمة مع روح مدينة لا تستعمرها الأنانية المريضة، و  ذات قلب رحب،  تتيح للإنسان الذي يقطنها فرصة حياة هادئة غير مستنفرة بالسرعة المجنونة التي لا يعرف لها أحد أية غاية ماعدا الإسراع. أما دراجة س 90 فهي التعبير الآلى عن تحول المدينة و من يحيون داخلها إلى وسائل متوترة، و فضاءات متكلفة يتحكم فيها هاجس السرعة و الاستعجال الذي لا يطاق، إنها التعبير عن حياة إنسانية مأخوذة بزمن تكنولوجي متوتر. لذلك يصعب فصل الكوتشي، عن تقاليد جمالية كانت تتكاثف لصنع هذا الأسلوب الذي ميز المراكشيين في المدينة العتيقة، و جعل مراكش مدينة للبهجة كما تسمى، و منها تقاليد النزاهة الأسبوعية في الجنان و البساتين المحيطة بالمدينة و التي اختفت اليوم نهائيا بعدما تحولت إلى مركبات إسمنتية مخيفة. و بمعنى معين، فالكوتشي يمثل تعبيرا عن تلك الأخوة السرية التي جمعت فضاءات المدينة العتيقة بالنزوع اليومي نحو الجمال و البساطة و التآخي و الاسترخاء.   “

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى