افتتاحية

التكنوقراط الذي دمرنا…

ظلت عقيدة التقنوقراط، عائقا كبيرا أمام المغرب في تبين مشاكله

لوسات أنفو

قضت أجيال متعاقبة بالمغرب، على الأقل لأربعين سنة الأخيرة، مترقبة حلول زمن الازدهار و الرفاه الذي لا ينفك أجيال السياسيين المتعاقبين بدورهم عن الوعد به. وتحول الأمل إلى يأس بعدما صار الواقع يعلن ببلاغة قاسية أن ما يسمى ازدهارا، لا يعني في القاموس المغربي المعتمد في ذهنية من يحتكمون إلى نفوذ القرار، سوى ازدهار الأقلية التي كانت مزدهرة أصلا.

إن تجاهل إدراك أن “عقيدة التقنوقراط”، مشكل كبير، ليس له من معنى سوى ترك التاريخ يفعّل تناقضاته، وسط حصيلة ضخمة من الفشل و الانتكاس و الانهيار الوشيك. 

تعاقبت المشاريع الكبرى من موانئ، و طرق سيارة، و قطار فائق للسرعة، و تجمعات صناعية. وتوالت المخططات الاقتصادية، و أجيال الإصلاح. لكن النتيجة كانت دائما هي نفسها، تدهور كبير في كل شيء. في نسبة الفرد من الدخل، و في تقهقر فئات واسعة إلى قاع الفقر، في تراجع جودة الحياة بالمدن و القرى على السواء، في انحباس الأمل لدى الفئات المحرومة من حقها في الثروة، و في حظها في الحصول على مكان بالمصعد الاجتماعي، الذي صار غير قابل للقيام بمهمته في الارقاء إلى الأعلى إلا باعتماد عملة النصب و الفساد و الغش و الريع. وعوض أن تتوسع الطبقة الوسطى، بالتحاق فئات جديدة من الفقراء الذين مكنهم النماء من تحسين أوضاعهم، صار عدد من أفراد هذه الطبقة على عتبة الفقر.

ظلت عقيدة التقنوقراط، عائقا كبيرا أمام المغرب في تبين مشاكله. إذ أن تعيين الجهة التي ستفكر في مصير البلاد، كان دائما محتكرا لصالح الكفاءة التقنوقراطية. وحمل ذلك دمارا ملفتا على مستوى الواقع الذي لم تحل إي من مشاكله فقط، و إنما تزداد تفاقما و تعقدا ساعة بعد ساعة. أكثر من ذلك  فسقف السياسة في حد ذاتها، صار تقنوقراطيا. إنها رؤية التقنوقراطي هي التي تسود في مختلف المجالات.

تقوم عقيدة التقنوراط على أن الأرقام هي مفتاح فهم المشاكل و مفتاح حلها. معنى ذلك أن واقع الناس و حياتهم و روحهم هي تجريب كمي، قابل لأن يدرج حسابيا في مخططات محددة على قاعدة أرقام، أو على هندسة تتوافق فيها الغايات مع الوسائل التي تستعمل لتحقيقها. لكن في الواقع المغربي قلما كانت هذه الوسائل متوافقة مع غاياتها، بل هي تنتهي بتدميرها و تحقيق نتائج مناقضة. كم طبق من إصلاح على التعليم، و في كل مرة يزداد هذا القطاع خرابا، و كذلك الصحة التي صارت إلى مآل مشؤوم، حيث تحولت المستشفيات إلى مكان للإهمال و الموت أكثر منها إلى جنة للحياة و الأمل، و أضحى الحق في الصحة مخوصصا، من يملك المال يعالج و يعيش، و من لا يملكه عليه أن يتحمل موته البطيء في مسلسل طويل من الانتظار و العذاب. وكذلك المدن، كلها عالقة في مشاكل أبدية من العشوائية، و حتى الجديدة منها التي خططها التقنوقراط انطلقت من بدايتها معطوبة بمشاكل تسجن سكانها في مآسي لا نهاية لها.

 إن عقيدة “الأرقام فقط” صارت مكلفة بالنسبة للمجتمع و للحياة، تجر وراءها فشلا دريعا في التصدي للمشاكل، و لا تشحن الناس إلا بمزيد من اليأس و الخيبة. المشكل الكبير أن “عقيدة التقنوقراطية” صارت قناعة سياسية ثابتة، تزدري دور المفكر و المثقف و صاحب الرؤية الاجتماعية الشاملة، الذي باستطاعته تحديد نجاعة أي إصلاح من خلال تفاعله مع النسق القيمي و الثقافي للمجتمع. فالفهم الدقيق للواقع يقتضي استيعاب كيفياته و ليس فقط الكميات المتحكمة فيه. لأن الواقع ليس مهيكلا من أرقام، و إنما من اعتقادات و أوهام و قيم. لذلك كان تدخل التقنوقراط بنتائج عكسية، لأنها انتهت بإنهاك بنيات، أو تفكيكها، معوضة إياها بفوضى مأساوية. حتى أن الفرد المقهور وسط هذا التدافع المزري صار يدرك أن كل انتفاخ لأرقام المؤسسات الضخمة المبنية للمجهول، هو انتقاص مسترسل لكرامته.

إن تجاهل إدراك أن “عقيدة التقنوقراط”، مشكل كبير، ليس له من معنى سوى ترك التاريخ يفعّل تناقضاته، وسط حصيلة ضخمة من الفشل و الانتكاس و الانهيار الوشيك.

زر الذهاب إلى الأعلى