الرأي

أيوب داهي يكتب : غزل منيب و صفعة لشكر

سؤال التحالفات  الذي لم يقدم فيه المؤتمر الخامس  اجوبة شافية مع الاسف الشديد

أيوب داهي/ عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد

يعيش الحزب الاشتراكي الموحد مخاضا فكريا عسيرا لكن بصوت خفيض لا يكاد يسمع, وسط اقتتال تنظيمي داخلي مستمر بلا هوادة , يعكس مجددا  الحياة التي لازالت تدب في شرايين هذا الحزب ويؤكد استحالة اخضاعه او الهيمنة عليه, رغم كل الانحرافات ”الشكلية”  و رغم كل  ضربات الداخل و الخارج التي تلقاها على امتداد أكثر من عقدين من الزمن.

و هنا يحضرني  المعلم الصيني الملهم ”ماوسيتونغ ” عندما يقول  : ”ان حياة الحزب ستتوقف حتما  اذا خلا من التناقضات و من الصراع الايديولوجي من أجل حل هذه التناقضات”.

لا بد من الاشارة  ان الحزب في معركة الحفاظ على ذاته قد  فقد مكونا سياسيا اصيلا من مكوناته متمثلا في تيار الديموقراطيين المستقلين

لا بد ان نذكر البعض اذا نسي او تمنى ان ينسى, ان الحزب الاشتراكي الموحد هو مكون أصيل من مكونات اليسار الجديد و امتداد موضوعي لها , هذا اليسار الذي خرج من قلب الانتفاضات الشعبية التي عرفها المغرب ما بعد الاستقلال الشكلي خصوصا انتفاضة 23 مارس 1965 المجيدة ,كجواب فكري و سياسي  على افلاس مشروع اليسار التقليدي–التحرر و الاشتراكية و الاتحاد الوطني للقوات الشعبية-  و كاستجابة لحاجة المجتمع الموضوعية  لحركات يسارية جذرية  بأدوات تحليل جديدة و بقراءة مغايرة لأوضاع البلاد السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. هذا الحزب اذا هو  ابن الحراكات الشعبية و تلميذها النجيب الذي لازال يتعلم منها, و بالتاليفمن الطبيعي ان يكون أول الداعمين و المنخرطين فيها,فمنذ حراك 20 فبراير المجيد وصولا لحراك الريف المبارك, ثم حراك جرادة و غيرها من الحراكات الشعبية كان الحزب دائم التواجد و الحضور في قلب هذه الانتفاضات, وهو ما جسده شعار مؤتمره الرابع ” دعم النضالات الشعبية من أجل الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية”, و زكاه شعار المؤتمر الخامس ” نضالنا اليساري من أجل الشعب و الوطن و الديموقراطية”.

دفع الحزب الاشتراكي الموحد الثمن باهظا, و نزف دماء سياسية لم تجف الى حدود اليوم, دفاعا عن كينونته السياسية و نقائه الايديولوجي, فهناك من يحمل الحزب مسؤولية اجهاض مشروع اندماج مكونات  فدرالية اليسار الديموقراطي و بالتالي ولادتها بالصورة غير المكتملة التي شهدها الجميع و التي اكتفت باضافة رقم جديد للمشهد الحزبي القائم.

 و جوابا على هذا فان نظرة خاطفة على الجذور التاريخية  و المنابع  الفكرية و التصور السياسي لمكونات الفدرالية الثلاث, تجعلنا نخلص الى ان خطوة الاندماج كانت ستعصف بالمشروع اليساري بالمغرب. نظرا للاختلاف الجوهري في التصور السياسي بين حركات انشقاقية قادمة من الاتحاد الاشتراكي و تائهة تبحث عن مأوى في أرض الله الواسعة ( الوفاء من أجل الديموقراطية, حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي, المؤتمر الوطني الاتحادي) أكبر طموحها  هو اقتسام السلطة مع النظام  السياسي في محطات المد الشعبي,و القبول غير المشروط في  مراحل النكوص  بالعمل تحت ظله و تنزيل مشروعه , و بين حزب بروح حراكية ثورية، يطمح إلى ملكية برلمانية حقيقية تحتفظ للملك بوظيفته الرمزية في النسق السيادي للأمة.

 ان محطة فك الارتباط التاريخية بفدرالية اليسار الديموقراطي و التي حافظت  للحزب الاشتراكي الموحد على موقعه في الخارطة السياسية دون ان يذوب داخل  الطرح الاتحادي المنتهية صلاحيته, ومن ثم التفرغ و الانكباب  على تطوير  أطروحته السياسية الجديدة و النوعية المعتمدة على مركزية الحراكات الاجتماعية  باعتبارها اجتهاد نظري غير مسبوق في تاريخ تجربة  التعددية الحزبية المغربية على حد تعبير منظر الحزب الجديد محمد الصلحيوي.

و لا بد من الاشارة  ان الحزب في معركة الحفاظ على ذاته قد  فقد مكونا سياسيا اصيلا من مكوناته متمثلا في تيار الديموقراطيين المستقلين, هذا المكون من وجهة نظري مكانه الطبيعي هو داخل الحزب الاشتراكي الموحد نظرا للأواصر النظرية و التاريخية التي تجمعه به.

ان هذا التأطير الدقيق لموقع الحزب الاشتراكي الموحد  داخل النسق السياسي المغربي يبدو ضروريا و ملحا لفهم استراتيجية الحزب و رؤيته و طبيعة الاجوبة التي يمكن ان يقدمها من أجل حلحلة الاوضاع المأزومة التي تعيشها البلاد, و هو يساعدنا ايضا على الجواب الدقيق على سؤال التحالفات  الذي لم يقدم فيه المؤتمر الخامس  اجوبة شافية مع الاسف الشديد.

هل يستغفلنا قادتنا داخل الحزب الاشتراكي الموحد عندما يقولون ان بناء جبهة النضال الشعبي الواسع ستكون الى جانب القوى التقدمية و اليسارية فقط؟

غموض الموقف اتجاه الاسلاميين

يعي جيدا دهاة الحزب الاشتراكي الموحد و مهندسو أفكاره  و المتمكنون من تفاصيله, بالمقصود  بمركزية الحراكات الاجتماعية في الاطروحة السياسية للحزب. فهذه الحركات الاجتماعية في تعريفها المبسط هي ”تحركات جماهيرية واسعة لكل طبقات المجتمع بمختلف الانتماءات و المشارب”.  و بالتالي فداخل هذه الحركات تذوب الاختلافات الإيديولوجية  و ينصهر الاسلامي و الليبرالي و اليساري داخل منصة واحدة ترفع مطالب محددة. كما يبدو  ان هذه الحركات لا يمكن ان تنفلت من قبضة السياسة باعتبارها شكلا من أشكالها تماما كالثورات و العمليات الانتخابية  و الانقلابات العسكرية و الاصلاحات السياسية الكبرى. اذا فتبني مركزية الحراكات الاجتماعية  و الانخراط فيها يقتضي مد جسور التواصل أولا و التنسيق ثانيا ثم التحالف أخيرا كأرقى أشكال العمل المشترك مع كافة التعبيرات الفاعلة داخل هذه الحركات. و هنا اتسائل هل يستغفلنا قادتنا داخل الحزب الاشتراكي الموحد عندما يقولون ان بناء جبهة النضال الشعبي الواسع ستكون الى جانب القوى التقدمية و اليسارية فقط, و هم يعلمون ان الانخراط داخل الحركات الاجتماعية-بما أن الشارع ليس في ملكية أحد- يقتضي التنسيق في حده الادنى مع قوى يمينية منخرطة هي ايضا في هذه الحراكات, اما وضع شروط للتنسيق داخل هذه الحراكات فقد يذهب في اتجاه اجهاضها و ليس دعمها و تحويل مطالبها الى برامج سياسية.

اتسائل مجددا عن الازدواجية التي يتعامل بها قادتنا مع جماعة العدل و الاحسان, فالحزب يقبل عقد الاجتماعات و الحوار و تنظيم الوقفات المشتركة  مع الجماعة في القضية الفلسطينية  و محاولة تصويرها  في معترك التضامن مع القضية الفلسطينية   كالحمل الوديع الذي لا ضير من التنسيق معه و توفير الدفء اللازم له في الشارع ضد تربص المخزن به  , ثم و في غفلة منا يتحول هذا الحمل الوديع الى وحش مفترس يجب التخلص منه عندما يطرح أحدهم  سؤال التنسيق مع الجماعة في القضايا التي تخص البلاد الداخلية مثل قضايا الديموقراطية و اسقاط الفساد و غيرها.

غموض الموقف اتجاه فدرالية اليسار و النهج الديموقراطي العمالي

لم يحضر ممثلو فدرالية اليسار الديموقراطي للجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحزب الخامس, و لم يحضر جمال براجع الامين العام لحزب النهج الديموقراطي العمالي بداعي المرض. قد يقول قائل ان حزب الفدرالية نهج نفس السلوك و لم يستدع قيادة الاشتراكي الموحد للجلسة الافتتاحية لمؤتمره الاندماجي و قد يقول اخر ان جراح فك الارتباط و فشل الاندماج لم تندمل بعد, لكن السياسة اشارات و رموز, و كان على قيادة الحزب الاشتراكي الموحد ان تعي مكانتها الاعتبارية داخل النسيج اليساري المغربي باعتبارها رأس  رمحه و ان تتحلى بما يكفي من النضج و ان تبادر لدعوة فدرالية اليسار و فتح نقاش جديد و طي صفحة الماضي مع هذا الحزب الذي يعتبر واحدا من القوى الديموقراطية بالبلاد  المعروف بمواقفه المشرفة و بنظافة مناضليه.

رغم انه استاذ لغة عربية  و ليس أستاذ رياضيات , الا ان الرفيق جمال العسري يصرف مواقف الحزب بطريقة تغلب عليها الحسابات الضيقة والطابع الميكانيكاوي

سبق لحزبنا ان عقد لقاءا مع حزب النهج الديموقراطي العمالي قبل اكثر من سنة و توج هذا اللقاء بإصدار بيان مشترك , لكن  هذا اللقاء لم يترتب عنه اي شيء يذكر ميدانيا عدا بعض الندوات المشتركة.

لحدود اليوم ليست هناك مواقف واضحة بخصوص التحالف مع هذين الحزبين الذين نقتسم معهما مشتركات كثيرة, فالأمين العام الرفيق جمال العسري يكتفي بالقول اننا نطمح لبناء جبهة واسعة للنضال مع الاطارات اليسارية التقدمية دون الكشف عن هوية هذه الاطارات.

رسائل الغزل من منيب  … و صفعة لشكر لنا 

رغم انه استاذ لغة عربية  و ليس أستاذ رياضيات , الا ان الرفيق جمال العسري يصرف مواقف الحزب بطريقة تغلب عليها الحسابات الضيقة والطابع الميكانيكاوي مخافة السقوط في الخطأ. و هذا قد يشكل مأزقا كبيرا للحزب لأنه سيسقط  خطابنا في الرتابة و الاجترار و التكرار و لن يترك لنا كمناضلين  داخل الحزب فرصة التفاعل و التطور كما سيساهم هذا في اضعاف الحزب , فالامين العام الذي لا تخلق تصريحاته و خرجاته جدلا لا يمكن ان يدفع بأداء الحزب الى الامام. مناسبة هذا القول هو الحوار الذي بثته جريدة ”أشكاين” بتاريخ 7 دجنبر 2023 و الذي مدنا بمادة نتعرف من خلالها اكثر على خط حزبنا السياسي المستقبلي مع نائبة الامين العام الرفيقة نبيلة منيب التي كانت -كما هي عادتها- أكثر جرأة من الرفيق الامين العام – و هذه سابقة في تاريخ احزاب اليسار المغربي-  عندما كشفت بطريقة غير مباشرة عن هوية الاطارات التي سنبني الى جانبها جبهة النضال الشعبي الواسعة قائلة : ” لا يمكن ان نعدم احزابا تاريخية فقط لانها قامت باختيارات خاطئة في الماضي ” و اضافت ” مرحبا بهذه الاحزاب اذا كانت  ستنخرط في النضالات الشعبية”, كان سؤال الصحفي حول امكانات التحالف مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

مؤاخذتي البسيطة هنا ان  الرفيقة منيب تعلم جيدا اكثر منا  ان هذه الاحزاب قد دجنت تماما و غرقت في الريع و استحلت المناصب و المكاسب, و انها من اسباب الازمة التي يؤدي فاتورتها  الشعب المغربي اليوم  و انها لايمكن بالمطلق  ان تنخرط في هذه الحراكات و بالتالي فقد  كانت هذه محاولة لتبيض وجه هذه الاحزاب امام  الرأي العام الحزبي الداخلي, و من تم الايحاء على ان  الحزب بصدد بناء تحالفات جديدة حتى يصرف النظر على جهود تقريب وجهات النظر مع الفدرالية و النهج الاقرب الينا فكرا و توجها.

لكن يبدو ان الاستاذ ادريس لشكر الكاتب الاول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية,  قد قتل هذا الامل مبكرا. ففي لقاء مشترك بين مكتبه السياسي و المكتب السياسي لحزب التقدم و الاشتراكية قال السيد لشكر جملة لافتة للنظر تشير بشكل مباشر للحزب الاشتراكي الموحد حيث قال ساخرا ” اذا اردتم ان نصنع لكم تنسيقيات حراس العمارات و تنسيقيات الباعة المتجولون  فيمكن ان نملأ بها المجتمع” و اضاف ” نحن احزاب مسؤولة لا يمكن ان نشرع للمصالح الفئوية” و زاد ” الدولة يجب ان تتحمل مسؤوليتها اتجاه من يقوي هذه الاطارات غير القانونية”. اليس هذا ضرب في عمق الاطروحة التي يعبئ لها حزبنا داخل المجتمع ؟ أليست التنسيقيات شكل من اشكال الحركات الاجتماعية؟ اليس هذا التصريح رفض لأي شكل من اشكال التنسيق مع حزبنا؟ .

و في الاخير خوفي ان يأتي علينا زمن نقبل شروط لشكر بعد ان  رفض هو اليوم شروطنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى