مذكرات

أجساد بلا قدر (2)… نص متسلسل للكاتبة نعيمة أدرع

كيف لي أن أخلف وعدا مع روحي لألتحق بجدران باردة لا روح فيها

نعيمة أدرع/ كاتبة مغربية

والدي العزيزين، أعذراني ما عاد ضميري يقوى على التمثيل. ولما كان الأمر كذلك، ولما كانت الدنيا لا تسمح لنا سوى بحياة واحدة، فقد حرصت وثابرت في الحصول على حياة سعيدة قدر الإمكان. والحق أقول، لقد شملت رعايتكما نشأتي بكل محبة وعطف ورخاء، إلا أن شيئا واحدا لم تشمله رعايتكما، ألا وهو أنا. لم تشمل رعايتكما شعوري وإحساسي. لقد حلمت على الدوام أن أكون كيميائيا وكيميائيا فقط. ولقد حاولت إقناعكما بكل ما ملكت من رجاء إلا أن رغبتكما في إكمال مشوار عائلتيكما، عفوا أقصد عائلتكما المبجلة التي لا تتزاوج إلا داخل خريطتها الصبغية مخافة أن يلوث عرقها السامي، تلك العائلة التي سارت سيرا أعمى على منوال أجدادها، الشيء الذي أعمى عيونكما وصم آذانكما عن الحقيقة الصارخة أمامكما من مراهق لم يطلب غير أن يكون نفسه.
والدي العزيزين، ألا تذكران ألعابي؟!ألم أكن أطلب دوما أنابيب ومحاليل ومساحيق؟!ألم أشخص على الدوام ذلك العالم الجليل الذي يسحب الدم من أذرعكم ليحلل فصائلكم الدموية ويخبركم عن عدد الكريات الحمراء والذي احتج دوما على تسمية الكريات البيضاء التي لم تكن بيضاء؟! وأنزوي في غرفة ألعابي التي كانت مختبرا صغيرا أجري فيه أبحاثي المتخيلة وتجاربي الوهمية. آه، كم كنتما لا تسمحان لنفسيكما أن تدركا الحقيقة!!!
والدي العزيزين، كنت فتى صالحا يهوى الكيمياء، يهوى التركيبات المعقدة والبسيطة معا، ولم أكن فتى عاقا يكره القانون. عموما، ولأن لنا عمرا واحدا ووحيدا فقد عشته كما ينبغي لي أن أعيش.
والدي، لم يكن غيابي عن الكلية بسبب فساد أخلاقي كما كنتما تظنان، بل كان داخل ردهات كلية العلوم، شعبة الكيمياء (علم العلوم حيث يلتقي الفلك بالفيزياء والرياضيات بالأحياء ويتحد الفلاسفة مع الأدباء والعلماء).
كيف لي أن أخلف وعدا مع روحي لألتحق بجدران باردة لا روح فيها، وسط أصوات خاشعة لصوت وحيد يردد كلمات لا أفهم لغتها ولا أستسيغها ولا أقبلها، وهو يتحدث عن بنود وفصول ومواثيق…؟؟!
آسف، والدي العزيزين، ولكن لا سلطة لي على روح تهوى المختبرات والمعادلات والمناولات والاستنتاجات…آسف يا كل من ظن أن روحي تستطيع أن تعيش بدون روحها وبقدر غير قدرها وفي رمز كيميائي غير رمزها…..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى