مذكرات

أجساد بلا قدر (1).. نص متسلسل للكاتبة نعيمة أدرع

الأوراق الفارغة تحصل دائما على الرتبة الأولى

نعيمة أدرع/كاتبة مغربية

” رضى منير” انهالت التصفيقات على شاب يرتدي لباسا أسود تعتليه قبعة سوداء يغطيها مربع أسود. وقف الشاب وتقدم إلى منصة التتويج، ولسانه يتمتم بالشكر والحمد لله الذي وفقه لنيل تلك الدكتوراه. فهو على الرغم من الثراء الفاحش الذي ينعم به والداه إلا أنه عمل بجهد لنيل تلك الشهادة تحت امتعاض والديه اللذين أراداه أن يدرس القانون حتى يسير على دربهما وسائر أسرتهما أبا عن جد وأما عن جدة.

إنه يجب أن يعمل بالسلك الديبلوماسي، ليستمر فخر عائلة القاضي منير، التي اشتهرت منذ قرون بشرف العمل الديبلوماسي والقضائي.
ولطالما أجلسه والده- وهو بعد طفل صغير- ليحفظه شجرة العائلة منذ القاضي منير بن رضى بن منير بن رضى ….. وصولا إلى عشرات الأجيال مرورا بمنير الديبلوماسي العظيم. تلك الشجرة الشريفة التي حمل كل غصن منها اسما عملاقا يسجل فيها بمجرد تشريفه لهذه الدنيا، لتنحني لهامته الهامات.

رمق الشاب والده الذي يصفق في برود، حتى لا يلفت إليه أنظار الحضور الفخم ذي المقام الرفيع، ويفضح سره الذي سيزج بسمعة العائلة التي تنأى سمعتها عن اللوثة كل منأى. ابتسم الأب نفاقا، حتى يوهم الجميع بأنه راض عن ابنه الدكتور في الكيمياء، عوضا عن القانون الدولي. لا يمكن لأحد أن يعلم الشرخ العظيم الذي شكله تشبث رضى بشعبة الكيمياء، ولا يمكن لأحد تخيل خيبة الأمل التي تكبدتها الأسرة حينما علمت أن رضى يدرس الكيمياء خفية عن الجميع، وهو يروح ويجيء إلى كلية الحقوق خاوي الوفاض….

لقد كان ابنا عاقا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إنه مستهتر بكل شيء، وقد أغدق أبوه المال الكثير على عميد الكلية وطواقمها ليتستروا عن غيابات ابنه المتكررة بل والدائمة بمعنى أصح. ولما كانت السنة الرابعة، حيث سيحصل الشاب على إجازته في الحقوق، فجرها قنبلة مدوية قائلا، بل كاتبا: “والدي العزيزين، أكتب إليكما هذه السطور طالبا الصفح منكما، كان لابد أن أترك لكما خبرا حتى يطمئن قلباكما، فأنا ـ كما تعلمان ـ أحبكما جدا.

والدي العزيز الذي، لم يرفض لي سوى طلبا واحدا، إنني أبلغك أسفا برحيلي عن هذا البيت الذي سأقضي فيه بقية حياتي تعيسا أتصفح مجلدات لا تعني لي شيئا وأخط كتبا لا أعني لها شيئا.
والدي العزيزين، كان بودي أن ألبي رغبتكما، وقد حاولت ذلك جاهدا ـ والله على ما أقول شهيد ـ لكني لم أستطع لذلك نيلا. أعلم أنني قد حصلت على إجازة الحقوق بمجرد تسليمي الورقة فارغة ككل مرة، دون الإمضاء الذي توصيني أن أضعه على ورقة فارغة -ككل مرة-خشية أن تختلط ورقتي بالأوراق التي تندس وسط الأوراق الفارغة. بالله عليك والدي، كيف تفكر؟؟! إن الأوراق الفارغة تحصل على الرتبة الأولى دائما بدون جدارة وبدون استحقاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى