مذكرات

أبواب ومسالك..عن روائح المدينة و صورها و أصواتها

محمد النواية

كلما اجتزتُ بابا من أبواب مراكش إلا وتوقفتُ عند دلالة الاسم، وحكاياته التاريخية والمرويات التي نُسِجَتْ حوله. بعد خطوات أجد نفسي في حي أَسْلُكُ أزقته ودروبه؛ أتذكر الوجوه البشرية القديمة واللباس التقليدي للرجال،جلابيب،برنس،مْحَرْماتْ[1]،سراويل قندريسية،  عمامات، طاقيات، شْكَايْر مطروزة. أسراب  النساء بجلابيب وعيون شديدة السواد وراء الخمار؛حقائب تتماهى مع ألوان الألبسة التي تكسو هذه الأجساد.أمُرٌ من الدروب والأزقة بدكاكينها وأملأ العين بمعمارها والأشياء التي تؤثثها. كل حومة أو حي له رائحته ونكهته؛ ألوانه؛ ساحته المخصصة للعب والسمر.

تحولت الأشياء وبقيت الصورة في الذاكرة والأصوات وما اختزنته المشاعر؛صياح الباعة،مناقشات، وشوشة النساء، صوت الأذان،قراءة الحزب بين المغرب العشاء، أحضان الجيران وحميميتهم،  رقة الفتيات وجاذبيتهم،  المجال المفضل للأطفال، ابتكار اللعب وتقليد الكبار.

عندما أوشك على استكمال الجولة استحضر ذكرياتي في المكان ورموزه وأقف على الأشياء المتحولة والمتجددة؛  وقائع محفورة في الذاكرة، يرجع بي الزمن إلى ذاك الطفل الذي كان له في كل حي فرد أو أفراد من العائلة الكبيرة،عم،عمة،خال أو خالة، أتفقد مساكنهم، منها ما تلاشى ومنها ما سقط أو تهدم وأعيد بناؤه.  تحولت الأشياء وبقيت الصورة في الذاكرة والأصوات وما اختزنته المشاعر؛صياح الباعة،مناقشات، وشوشة النساء، صوت الأذان،قراءة الحزب بين المغرب العشاء، أحضان الجيران وحميميتهم،  رقة الفتيات وجاذبيتهم،  المجال المفضل للأطفال، ابتكار اللعب وتقليد الكبار.

أبواب البيوت الخشبية التاريخية تثير رغبتك في معرفة ما بداخلها من معمار ونقش وزخرفة

الأشياء والصور تنطق بحمولاتها تتمازج لتعطي عالما أخر له شعريته بما يعبق من أريج ومسك. وأنت مشدود إلى الماضي تتفاجأ بالدكاكين التي غيرت من سلعتها وصارت تقتصر على منتوجات يقبل عليها السياح ومأكولات خفيفة غريبة عن تقاليدنا بمكوناتها وأسمائها.  بوصولك الأسواق التقليدية تبقى مأخوذا بما جرى، فجل الأسواق لم تعد تأوي الحرفة المسماة باسمها وصارت تعرض ما هو منتوج ومصنوع في المعامل أو مستورد من البلدان الصناعية. وخلافا لما كُنْتَ فيما مضى تبقى مشدودا للجمال المُحَجٌبْ الذي تتألق به هذه الأسواق بملابس تقليدية وعيون واسعة خلف اللثام،تطالعك الآن سراويل “جينزس” وقمصان غربية لفتيات بأحدية رياضية ونظارات براقة وصبيان بصدريات مزوقة بكلمات أجنبية لا يعرفون حتى معناها. لتختصر الطريق تجتاز الأزقة والدروب الضيقة الملتوية يمينا ويسارا؛قدماك لا تتعب من التجوال عبر هذه المسالك. أبواب البيوت الخشبية التاريخية تثير رغبتك في معرفة ما بداخلها من معمار ونقش وزخرفة، روائح أصنافا لمأكولات والطبخ الذي تتخصص به المدينة العتيقة تتناهى إليك لتذكرك بمذاق هذه الأطباق والأمكنة التي كنت ترتادها لإشباع شهيتك منها.

نهاية هذه المسالك تفضي بك إلى جامع لفنا التي تغيرت ملامحها شكلا ومضمونا وغدت فضاءا غريبا على من عاشوا ازدهاره، في خضم أجوائها يرجع بك الزمن إلى أوقات الأصيل حيت تشرع حشود الرواد إلى أخد مكانا لها في الحلقة وتكون الفرجة راسخة في مشهد احتفالي واستعراضي، في تلك اللحظات يَشُدٌ انتباهك حركات وصوت لَحْلاَيْقِي المعبرين عن دلالات ومعاني مختلفة لا يمكن أن تستمتع بها إلا في هذه الساحة التي تعكس ثقافة متجذرة في أصولها وهويتها الثقافية، من هؤلاء لحلايقية رواة؛حكواتيين؛ عازفون؛ مغنون وصناع فكاهة. أين من اليوم ذلك الزمن وذلك التراث الشفاهي للساحة الذي بوأها صفة تراث شفاهي إنساني عالمي. الآن هذه الساحة تستغيث، فهل من مُغِيث  تشير بعض المصادر أن منظمة اليونسكو ستلغي للساحة هذه الصفة التي شرفت المدينة وتراثها.

فلا أهل الشأن الثقافي المحلي ولا الوطني يولون لهذه القضية اهتماما ولامنتخبي المدينة يعرفون ويقدرون قيمة التراث والتاريخ الحضاري لمدينة الحمراء ولا تربطهم أي صلة بتاريخ ومعالم المدينة ولا برجالاتها وحضرتها العلمية،ولا دعوات مثقفي المدينة وصرخات جمعيات المجتمع المدني تجد عند هؤلاء جوابا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى