رياض العروس، حياة لا تُكتب مرتين…

عبد الصمد الكباص
رياض العروس أسطورة كبيرة، مراكش كلها هنا. ناس ووجوه لا تشيخ أبدا وحكايات تمتد بحجم أنفاس الحياة. في ساحته تتزاحم السيارات و نظرات من قضوا جل حياتهم يتابعون حركات المارة. بائع البيض و النقانق في المساء قرب مدرسة محمد الخامس. و نخلة الضريح الذي يُضحكني دائما اسمه. ملصقات الأفلام التي قضينا أنا وزملائي ساعات طوال متحلقين حولها. أبيدت اليوم مخلفة وراءها حائط المدرسة يتيما يغزوه الفراغ و الملل.
أعبر بدراجتي ممر لكزا، و أخترق فوضى باب دكالة، فأحس أن رياض العروس جنة مفقودة لكنها قابلة للاستعادة. رياض لعروس شعر بلا نهاية. هكذا أحسه دائما. طفولة تجري بين بحار تتلاطم أمواجها بين السحب و الشمس. مقر البريد بصندوقه الأصفر الذي كنت أرمي فيه رسائلي الأولى متمرنا على الحب و الشغب. و مكتبة “الوفاء” التي منها كنت أقتني قصص عطية الأبراشي و مجلة المزمار و ماجد. وغير بعيد عنها محل الفيلالي، الحلاق الشهير، الذي يقتلع الأضراس التي لم تعد تنفع أصحابها إلا بالألم. دائما أتساءل لماذا لا يتسيقظ صداع الأسنان إلا في غفلة الظلام و الليل. لم أحلق عنده رأسي قط. لكنني قصدته ذات مرة و أنا مراهق ليخلصني من ضرس كريه. أذكره بعمامته الضخمة التي يغطي بها رأسه.
رياض لعروس طفولتي هو أيضا السويقة الشهيرة. كانت بالفعل سوقا صغيرا منظما. أول ما تجده على اليسار بالقرب من “الصيدلية الشعبية” التي فتحتها أول سيدة صيدلانية بالمغرب، تلك المكتبة التي تنشط كثيرا أيام الدخول المدرسي. يقابلها محل بيع السمك المقلي. و بعده تنساب متاجر بيع الخضر و محلات الجزارة التي تظل مفتوحة إلى وقت متأخر من الليل، و يتوسطها محلان للبقالة أحدهما يقابل الآخر. ” البقّال” اسم خاص كان يطلق على المحل المختص في بيع الزيت و أصناف السمن و الخليع ( اللحم المقدد المطهو في الدسم).
في السويقة التي تمتد إلى أن تشارف حمام رياض العروس الذي لا يقل أسطورية عن الحي بكامله، قلما تجد باعة متجولين، باستثناء بائع النعناع الذي يأتي محملا بضاعته في شوال من الدوم على متن دراجته الهوائية. ليس كما اليوم الذي غزت فيه العربات الكبيرة المجرورة بالبغال و الدراجات ثلاثية العجلات المدينة بكاملها لتصبح العلامة الأكثر وقاحة لبشاعة عصر جديد لمراكش فشلت فيه الأجيال الناشئة في التماس طريق الحياة الجميلة معوضة إياها بالعنف و الابتذال و التفاهة.
لسويقة رياض العروس أيضا غرابتها. غرابة التسمية و الفعل. كان ذلك يتجسد في مكانين على الأقل؛ الأول دكان صغير لبيع الأحذية البلاستيكية التي كنا نسميها ” حنيقزة” بلونيها الشهيرين الأبيض و الأخضر، و ألبسة شعبية أخرى بخسة الثمن. لم تكن الغرابة في البضائع التي يعرضها المحل و إنما في صاحبه و اللقب الذي يُعرف به. ” المريض” هكذا كان اسم شهرته. و كان مثيرا بارتدائه لألبسة الشتاء الثقيلة على امتداد السنة بكاملها. حتى وحرارة مراكش تتجاوز 48 درجة أيام الصيف المشتعلة، كان يرتدي جلبابا صوفيا، ويغلف رأسه بالقب. و المكان الثاني المسجد الصغير الذي يتوسط السويقة. كان المؤذن يخرج إلى بابه و يرفع الأذان، و لا يكاد ينتهي حتى تكون الصلاة قد شارفت على نهايتها، و يخرج التجار مهرولين نحو محلاتهم. كان يسمى ” جامع المقلقين”. إنها غرابات رياض العروس التي تنضاف إلى الضريح الذي كان يقابل بوابة مدرسة محمد الخامس بنخلته الشامخة. كان اسمه ” سيدي بو لبزازل”. الجميع كان ينطقه من دون أدنى حمولة للخجل.
حمام رياض العروس بناية عتيقة فخمة، أثر حقيقي بقبابه المرتفعة المثقوبة بنوافذ صغيرة فاسحة الضوء و الهواء. في المدخل بهو فسيح بسقاية يسيل منها الماء العذب لمن أراد أن يشرب، و قاعتان كبيرتان لتغيير الملابس يقابلان بعضهما. يسميان ب” الجلسة”. فضاء الاستحمام يتدرج في ثلاث قاعات كبيرة الأولى باردة و الثانية معتدلة و الثالثة شديدة الحرارة. وفي عمقها توجد “تفضنة” الصهريج الغارق في الأرض الذي يستلزم التزود بمائه الشديد السخونة الجلوس أرضا و الانحناء لملء الدلو. عندما ينضب ماء الصهريج كنا ندق جداره و نصرخ، فيسمعنا المكلف بالتسخين في “الفرناتشي”، المكان الاستراتيجي لتدفئة الحمام و مائه، فتنساب المياه من جديد. الدلاء لم تكن بلاستيكية. زمن البلاستيك المقرف لم يكن قد حط رحاله. كانت من الخشب، ثقيلة الوزن. كانت النساء و الرجال يتناوبون على نفس الحمام، من الفجر إلى الظهر الفترة الرجالية، و من الظهر إلى العشاء فترة النساء و بعدها إلى منتصف الليل يعود الرجال من جديد.
“الجلسة” لم تكن مكانا فقط لتجفيف الجسم و تغيير الملابس. بل كانت فضاء تتناسل فيه الحكايات. كان المكلف باستخلاص واجبات الاستحمام يقضي طيلة فترة مناوبته في إعداد كؤوس الشاي. بعض الزبناء يمدونه بما يلزم لبراد من المشروب الذي ينبغي أن يكون جاهزا عند خروجهم من قاعة الاستحمام، و كان كرم بعضهم يدفعهم لتقاسمه مع المستحمين. فتنطلق الأحاديث في كل شيء في الغلاء و في الذكريات و الأحداث اليومية و في بعض الأحيان في السياسة. في أحد أيام الجمعة من سنة 1984 كان أحد المستحمين يحكي عن اعتقال محامي شاب. و فجأة قاطعه المكلف بحراسة أمتعة المستحمين” نعم كان في الكوكب لاعبون كبار” يقصد طبعا فريق الكوكب المراكشي. فعم صمت مريب. تزامن ذلك مع دخول أحد المستحمين. عندما غادر. قال المكلف ” إنه حنش” . كانت هذه هي التسمية الشعبية لمفتشي الشرطة و البوليس السري، أما الأصفاد فكان لها اسم آخر : “نميرو خمسة”.. هذه هي مراكش أسماء و حكايات.
” الصيدلية الشعبية” أخمن أن وراء اختيار السيدة الوارزازي لهذا الاسم فلسفة. كانت أكثر من صيدلية يؤمها المرضى لشراء ما يلزمهم من الأدوية. كانت مركزا للاستشارة يقصده سكان رياض العروس و الأحياء المجاورة . عندما نمرض نلجأ إليها أولا نستشير مع الحاجة أو مع مساعدها الشهير ” بن الحبيب” فيمدنا بما يلزم من الأدوية. هذه الصيدلية كان لها مجدها الخاص الذي لا ينفصل عن أمجاد هذا الحي. فسيحة بأثاث خشبي أنيق و فريق من العاملين يُحسن معاملة الزبناء. في 2019 ماتت الدكتورة المختاري. قصدت الصيدلية فوجدت العاملين فيها منهمكين في إفراغها.
كانت المهمة التي يؤمنها “بن الحبيب” بالصيدلية في توجيه الناس للأدوية المناسبة لحالتهم، قريبة من المهمة التي كان يقوم بها سي لحسن، هذا الممرض الذي يقدم خدماته بمنزله لأبناء الحي، كانوا يستشيرونه في كل شيء، في وجع الظهر و المفاصل و السعال والحمى و خفقات القلب و صداع الرأس. كان يقطن في درب الفيران. قبل أسابيع مررت من هذا الدرب فوجدت أن الياء قد حُذفت من اليافطة التي توجد في مدخله، ليصبح اسمه درب الفرّان. حدث ذلك مع دروب أخرى برياض العروس كما هو الأمر بالنسبة لدرب صغير كان يعرف بدرب الكلاب، فأضحى أخيرا يحمل اسما آخر لا أذكره الآن.
في رياض العروس كل شيء يبدو عتيقا و طازجا في نفس الوقت، الحياة هنا لا تشيخ أبدا. يشيخ الناس و الحياة تزيد شبابا بشيخوختهم. اليوم أمضي فأرى في الجدران مرثية كبرى، الدور تعكس وجه الغياب، و الطرق تؤبن ذكرى من رحلوا. أتحرك بين دروبه فأرى الذين يعيشون في الموت. قريبا سيصبح كل شيء ظلا.
مدرسة محمد الخامس. باب فخم. مساحات تفيض بالوجوه التي أتلفت في زحام الزمن. ولجتها بعد مونديال 1982 و غادرتها بعد مونديال 1986 في اتجاه ثانوية سحنون. كان هاجسنا الأكبر عندما نهم بدخولها أن نتجاوز الأمتار الأولى بأسرع ما أمكن، لأن أول مكتب يوجد على اليسار بعد الباب مباشرة كان للسي الشكراوي، هذا الرجل الذي لم يكن له من عدو في العالم كله أكثر من الغياب و التأخر. كان يحرص على تعقب المتغيبين من التلاميذ بشراسة. و إذا ماحدث و استدعي الواحد منا إلى مكتبه فإن ذلك يكون بابا لتخيل أفظع الشرور في الدنيا. لم يكن هو الآخر يتغيب، لم يكن يتهاون في القيام بمهمته. كان من طينة أولئك الذين يقدسون مهنتهم.
في مدرسة محمد الخامس سمعت لأول مرة كلمة ” حشيش” و رأيت ما تعنيه. كان معنا تلميذان أحدهما من حي القصور و الثاني من الزاوية. ليس لهم من شغل إلا مغامرات “البزناسة” هذه الكلمة التي لم أسمع بها من قبل إلا من أفواههم. كان لنا صديق يقطن بدرب الدباغ المقابل للمدرسة. كنا نذهب كثيرا إلى منزله ننجز بعض الواجبات التي يكلفنا بها الأساتذة و نلعب في الدرب. و في الوقت الذي كنا نتقاذف فيه الكرة أو ” البينو” المصنوع من مطاط عجلات الدراجات، كان زميلانا ينشغلان بلف سجائر الحشيش و يدخنانه بانتشاء، و يتبدلان الحكايات حول مغامرات البزناسة و لعبة الكر و الفر مع شبحهم المخيف من الأمن الذي كان يدعى ” الحضري” . كانت هذه الحكايات لا تنتهي، في كل يوم فصل جديد من رواية بلا نهاية.
درب الدباغ كان اسما على مسمى. كنا نشاهد الدبّاغين منهمكين في كمخ الجلود داخل أحواض دائرية الشكل و هم يغنون. و بالقرب منهم كان هناك ذلك المكان الغريب المليء بالأسرار في أعيننا. بناية عشوائية من الصفيح. يدخل و يخرج منها رجال بسحنات غير مألوفة بوجوه تغطيها لحي كثيفة، و رؤوس تغلفها عمامات ليست من طينة تلك التي اعتدنا رؤيتها لدى المراكشيين.رأيت ذلك لأول مرة في 1984. و كنا نسميهم بالهنود. إلى أن سمعت من أحد شباب الدرب أنهم أفغان. كان يستعمل عبارة غريبة أسمعها لأول مرة “إنهم أصحاب الدعوة.” ظلت هذه العبارة تطاردني لسنوات طويلة بعد ذلك من هنا و هناك. كان زميلانا يدخنان الحشيش و يغرقان في أخبار تجاره بحي القصور و الزاوية، و الشاب الذي كان يكبرنا سنا يحدثنا عن “كرامات المجاهدين في افغانستان” في مواجهة السوفيات الكفار. لم يكن له من شاغل في الحياة سوى هذا الموضوع. أما نحن فكان همنا الأول أن نلعب الكرة و “البينو” لا أكثر و لا أقل. بعد أيام قليلة أضحت لذلك الشاب علامة خاصة، يقضم عود الأرك، و يغمر عينينه بالكحل، و هو أمر كاف لكي نحوله إلى نكتة لأننا كنا نرى أن النساء وحدهن يجملن عيونهن بهذه المادة السوداء. بعدها صار يرتدي قميصا أبيض و يرخي لحيته و يزيد تجهما و كآبة. اختفى بعد ذلك. سمعت أنه سافر لأداء العمرة و لم يعد. بعدها بسنوات سمعت أنه التحق بصفوف المقاتلين في أفغانستان.
كان للحياة بمدرسة محمد الخامس امتداد سري فتح أمامي عالما يأسرني إلى اليوم. الكتب و المكتبات. كان مدخل ذلك تكليفات أساتذة اللغة العربية بالبحث عن ترجمات بعض الشعراء و المؤلفين. ” اذهبوا إلى دار الطالب” قالت الاستاذة التي كانت تدرسنا في السنة الثانية إعدادي عندما سألناها ” أين نجد هذه الترجمة؟” لم نعد نطرح هذا السؤال بعد ذلك. عرفنا السبيل و المكان. خزانة ابن يوسف بقصر الستينية لم تكن تبعد كثيرا عن بيتنا. كنا نعرفها بدار الطالب. بعدها اكتشفنا الخزانة البلدية التي كانت توجد بقصر البلدية بين “عرصة الحامض” و “عرصة مولاي عبد السلام. ندخل دار الطالب لنجد الرجل المفتاح، سحر الخزانة و سرها الأكبر. سي الشعبي، هذا الرجل الذي لم تكن له متعة في الحياة أكثر من خدمة من يطلب الكتب و المعرفة. كنا نقصده و نخبره بالموضوع و هو يتكلف بالبحث عما يلائم طلبنا من المراجع. يقابله في الخزانة البلدية “الشريف” لم أكن أعرف له من اسم آخر سوى هذا. عندما كبرنا قليلا و صرنا مهووسين بالقراءة، أصبحنا نلقبه أنا و بعض أصدقائي بالموسوعة. تبعناه إلى المقر الجديد للخزانة البلدية بين مقبرة سيدي غريب وفندق المامونية، و هناك دشنا قراءاتنا الأولى في الفلسفة ليوسف كرم و عثمان أمين و زكريا إبراهيم و جميل صليبا و زكي نجيب محمود و إمام عبد الفتاح إمام و عبد الرحمن بدوي. أتذكر تلك الأيام و أزيد يقينا أن وحده الموت لا يتوقف في الطريق. تخرج من إعدادية محمد الخامس وزراء و لصوص و مفكرون و بزناسة و أناس يقصدون الحياة من أبوابها المختلفة، كل واحد يخدم المغرب بطريقته الخاصة.
الساحة. مكان يترامى بين نضارة الأحباس و مدخل درب سيدي بوعمر و تمتد إلى الصيدلية مرورا بسلسلة المحلات التي تتواصل إلى غاية موقف الطاكسيات الصغيرة التي كانت تثبت عداداتها بالباب الأمامي في شكل صندوق يضبطه السائق بمفتاح شبيه بمفتاح الساعة الميكانيكية. كان في رياض لعروس أيضا موقف لعربات الكوتشي. لكن الساحة ظلت بالنسبة لي شيئا آخر. مكان للسكون و البطء. ربما بسبب تلك الوجوه التي داومت لسنين طويلة و لعقود، على الالتزام بموقف واحد من العالم، الجلوس بين المحلات أو قرب أبوابها و الاكتفاء بالنظر. كنا أطفالا و كبرنا و شخنا و هم مازالوا يحذقون. الموت يترنح في طريقهم و هم يحذقون.حتى صارت الساحة نظرة أبدية حنطتها عيونهم.
في المساءات و الصباحات المبكرة ساحة رياض العروس سماء تتنفس. سماء كبيرة مضيئة إلى الأبد بلا سقف و لا نوافذ. كنت أدخل إلى البيت و أحس أنني أحمل قطعة منها في جيبي. عندما تنساب الأمطار تردد الساحة “كفاك بكاء أيها الزعيم”. و عندما تجلدها شمس الصيف تصرخ ” ما كل هذه القسوة أيتها الغيورة؟” رياض العروس ملاذ الليل و النجوم الساهرة على أغاني الخاسرين. حينما كنا أطفالا في طريقنا إلى مدرسة سيدي عبد العزيز الصناعية، هكذا كانت تسمى، و الأمطار تتساقط، كانت السويقة تفيض بالبيصارة، كنا نسير و أقدامنا غارقة في عجينها اللذيذ. البيصارة كانت الاسم الذي نطلقه على شوكولا الأرض عندما تبللها السماء. كنت دائما أتساءل من أين تأتي كل هذه الأوحال؟ كانت لازمة شعرية لممرات الحي في موسم البلل، تماما كما هي الدور التي تتحول فجأة إلى خراب يتهاوى فوق رؤوس ساكنيها. أذكر الأستاذ الزموري، ذلك القاضي الأنيق الذي كان يقطن في رياض في قلب درب سيدي بوعمرو، رياض باتساع حي بكامله. أذكره بكتابه عن شاعر الحمراء، و بأناقته و طبعه الهادئ. تساقطت الأمطار فوق سقف إحدى غرف الرياض فشققته. صعد ليصلح ما استباحه الماء، فتداعى به السقف ليرسله إلى الضفة الأخرى. هذه هي مراكش، أناس يموتون حسرة، أناس يموتون فرحا، و أناس يموتون بغضب الحجر و التراب.
درب سيدي بوعمرو. عشت فيه أزيد من ثلاثين سنة، عرفت من أين يبدأ، لكن لم أعرف أبدا أين ينتهي. يبدأ بسيطا و يمتد في متاهة من الالتواءات. عندما تتوغل فيه تجد نفسك في درب يحمل اسما آخر: درب المصوبر. تماما كما هو الحال بالنسبة لحي أسطوري بالمواسين، تدخل إليه باسم درب الحمّام و تغادره من الجهة الأخرى باسم درب “الجنايز”. كان حسن أوزال يسألني دائما عندما يزورني و نشرع في جولة مخترقين ممراته، كيف لك أن تتقن مسالك هذه الدوامة؟ دروب تتفرع من درب، حوانيت صغيرة و جدران وأبواب. ممرات مسقوفة تقدس العتمة. “الصابات” هكذا تسمى. باردة في الصيف إلى حد المتعة. في درب سيدي بوعمرو تعلمت أن الفن ماهية الحياة.
درب سيدي بوعمرو معالم لا تستطيع ذاكرتي أن تنكرها. هناك القوس الذي يوجد في بدايته. إعلان متجدد ليقظة التاريخ الذي لا ينام أبدا، و العين السحرية للماضي التي لا تتعب. كلما عبرته خارجا أو داخلا إلا و اكتشفت أن المكان هو السؤال الأصيل للزمان، بوحه و روحه. في بداية الألفية تعالت أصوات لتدمير القوس لتوسيع الطريق. لحسن حظ التاريخ أن هذا الصوت وجد من يتصدى له. قبل القوس يوجد “فرن” الدرب. المكان الاستراتجي للخبز و الحياة. كان مزارا يوميا لنا و نحن نحمل “الوصلة” ( الحامل الخشبي الذي يوضع عليه العجين المستدير). مكان تفوح منه رائحة النار و الجوع الطري. الخبز الرمز الأبدي للكدح و الاستماتة و الصمود، المأساة التي لابد منها لكي تستمر ملحمة البشر، أمراضهم و أفراحهم و انكساراتهم. لم يكن الطريق إلى الفرن دائما سعيدا، فقد يحدث أن نسقط “الوصلة” المثبتة فوق رؤوسنا فنعود إلى الوالدة خائبين بعجين ملطخ بالتراب، و بإحاساس بالذنب قد لا يزول إلا بعد وجبة الغذاء.
كنا نسميه “فران سي عبد الرحمن” نسبة إلى صاحبه. هذا الرجل الودود الذي قلما رأيته ينزل إلى ” بيت النار” أو يمسك بالطرحة ( اليد الخشبية التي توصل الخبز إلى مكانه في الفرن). كان مولعا بالدقة المراكشية و فردا من إحدى مجموعاتها الشهيرة التي غالبا ما يتجمع عناصرها بالفرن في المساء قبل الذهاب إلى العمل، منتشين بعشبة المزاج التي تفوح رائحتها متجولة خارج الفرن، و مترنحين بكؤوس الشاي.
كان في الفرن إيقونة تلازم جلسة سي عبد الرحمن. الطنجية الصغيرة التي كانت تعد يوميا و تنضج فوق نار هادئة في مجمر كبير يوضع قرب “بيت النار”. كان لها حضورها الخاص، شخصية رئيسية في فضاء حافل بالحكايات و الأحداث، طقس لطعم الحياة. كنت دائما أتساءل عما يوجد داخلها.
أيام عاشوراء كانت المجد الجميل للفرن. يكتظ فضاؤه ب”القريشلات” تلك القطع الصغيرة من العجين المُحَلّى الذي يمثل رمز الاحتفال بهذه المناسبة. أذكر أن بعض النسوة المتقدمات في السن يأتين إلى الفرن لمراقبة حلوياتهن حتى لا تختلط بحلويات غيرهن. يتركن جزءا قليلا منها للفران على سبيل التقاسم. في بعض الأحيان تحدث ملاسنات خفيفة عندما تخرج إحداها من الفرن متفحمة. غزت الأفران الغازية البيوت فقل الطلب على الفرن. أغلق أبوابه لسنين، ثم فتح من جديد، لكن ليس بنفس الحيوية.
قرب الجامع توجد السقاية التي كانت مياهها تسيل ليل نهار بلا انقطاع. الجامع بصومعته الصغيرة و بابه الفسيح و أشجار النارنج التي تتوزع في فنائه، لم يكن يغلق ما بين المغرب و العشاء، و في رمضان يظل مفتوحا من العصر حتى متم صلاة التراويح. لم يكن في الصومعة أبواق كما اليوم. كان المؤذن يصعد إليها و ويرفع صوته الذي يصل هادئا بلا إزعاج. رمضان في طفولتي كان حارا. يوم طويل و مغرب يتأخر في المجيء. كانت صلاة التراويح متعة كبيرة بالنسبة لي. تقام في فناء المسجد تحت السماء وقرب النافورة و الأشجار، كان فيها شيء من حرية الصيف و انطلاقه. أما ليلة السابع و العشرين فكانت احتفالا، تتدفق الأطباق على المسجد، و تنصب أواني الشاي و ترش الرؤوس ب”ماء الزهر” العاطر. فتمتزج الصلاة بالفرح. البعض يصلي، و البعض الآخر يتقاسم الأطباق المتنوعة أو يرشف كؤوس الشاي و يتبادل الطرف و النوادر. كنت أحب حينها أداء صلاة العصر في مسجد ” بن ناصر” القريب من مدرسة درب سنان، لأحضر دروس الفقيه” الخليل الوارزازي” التي تقام بعد الصلاة. كان حديثه مليئا بالمرح، يستغرق في مشاهد ممسرحة عن نعم الجنة و عن الحور العين. و عندما يحس أن المستمعين تماهوا كثيرا مع المشهد يصرخ فيهم ضاحكا ” اجمعوا روسكم راه رمضان هذا..” كان من المستمعين من ينصت و يتفاعل و منهم من يغط في النوم بسبب التعب و الصوم.
جامع درب سيدي بوعمرو، أذكره دائما ب” مولاي امبارك” إمام صلاة الجمعة والمشجع الوفي لفريق الكوكب المراكشي. كان يأتي إلى المسجد على دراجة “ميني” تلك الدراجات ذات العجلات الصغيرة التي اختفت اليوم. و يلقي خطبته بخفة ممتعة و يتفادى الإطالة في الصلاة. ظل أداء الصلاة في هذا المسجد موشوما بصورة ذلك الرجل الغريب، الذي كان يقطن بمحاذاة المسجد. عندما تقام الصلاة لا يلتحق بصفوف المصلين. بل يقف خلف سارية موجودة قرب الباب، و ينتظر حتى ينتهي الإمام ومن يؤمهم من صلاتهم الجماعية، فيشرع في الصلاة منعزلا. سمعت أحدهم يقول عنه ذات مرة ” إنه شيعي” لم أكن أعرف حينها معنى هذه الكلمة.
ألفة المكان تقهر الكتابة. الغريب أنني عندما أردت الكتابة عن درب سيدي بوعمرو برياض العروس الذي عشت فيه أكثر من ثلاثين سنة، لم أتذكر في البداية أي مشهد منه، ما عدا حائط المقبرة الذي كان يخيفني حينما كنت صغيرا، لأنني كنت أعتقد أنه الشريط الدقيق الذي يفصلنا عن عالم الموتى و يمنع خروجهم ليختلطوا بالأحياء في الدرب. كنت أعتقد أنه إذا انهار فسنجد أنفسنا وجها لوجه معهم. كان هذا الحائط أشبه بحدث بلا اسم، حدث لا يتوقف، تصد فيه الحياة الموت و تبعدها، فاتحة لنا فرصة أن نمر إلى جانبه بسلام، و نلج بيتنا مستغرقين في الحكايات و الأحلام. أذكر ذلك و أقرأ ولاس ستيفنز ” أنا ملاك الحقيقة الذي شوهد للحظة واقفا بالباب.” اليوم صارت المقبرة حديقة تغني لمن يرقدون أسفلها.
“مولاي العباس”. يصعب أن تستحضر درب سيدي بوعمر في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين دون أن تذكره. مملكته غرفة صغيرة تقابل المسجد بالقرب من القوس، و رصيده فيها الكثير من القراءة و شعب من القطط. كان يقضي جل وقته إما في تلاوة القرآن أو في الحديث مع حشود القطط التي تصاحبه. كنا نعتقد في سذاجة الطفولة أنهم أبناؤه. عندما اكشتفت شخصية الحلاج كنت دائما أراه بصورة مولاي العباس. كان محترما من قبل سكان الدرب. لم يسبق لي أن رأيت أحدا من الصغار أو الكبار يضايقه. كان بعضهم يقول إنه مجذوب. ربما كان فعلا حلاج درب سيدي بوعمر.
في رياض العروس كان للحياة طعم آخر. حياة بدون رعب و لا ملل. البساطة تحمي الجمال. لم يكن العالم مجرد قصة عن الفظائع. ولم تكن الأيام أسفا كبيرا. كانت الحياة والفرح يسيران جنبا إلى جنب. كنا نخرج في الخامسة صباحا و نجد الدكاكين مفتوحة في السويقة. لا أحد يحس بالتهديد أو انعدام الأمن. أعرف أسماء كل الدروب في سيدي بوعمرو، إلا درب واحد. ذاك الذي نشأت فيه. الدرب الأول الصغير، الذي لم يغير سكانه كثيرا. سمعت أن اسمه كان في ماض بعيد ” درب الزيتونة”. يبدأ بقوس صغير و يسترسل في دور متجاورة لا يتجاوز عددها ستا: دار الخليل، و دار سي عبد السلام و دار الحاج الكباص و دار مولاي كبير شلبي، و دار ولد الشيخ البوعمري، و دار بن زاكور و هو البيت الوحيد الذي غير سكانه، توفيت الحاجة زهور فامتلكه ميلياردير أمريكي. سمعت أن هذا البيت الذي كان دائما يثير السياح بهندسته الفريدة، كان في بداية القرن العشرين فندقا مملوكا لسيدة بريطانية.
لدرب سيدي بوعمرو أسماء اقترن بها. كالفقيه بن عبد القادر المعروف بالفقيه مسو. هذا العالم بجامعة ابن يوسف الذي ذاع صيته في النصف الأول من القرن العشرين بعلمه و أسلوبه المتحرر في الحياة. كانت له شهرة خاصة في الأوساط الشعبية التي ظلت تتناقل سلسلة من الطرائف المنسوبة إليه.
أنصت لخوليو إغليسياس، و أتذكر. كورونا حَوّلَ المدينة إلى شبح، رهاب اللمسة القاتلة و الشك، الغابات تطالب باسترداد حطبها و الحياة تقتص من الأحياء. أقاوم بالموسيقى و التذكر، أعود إلى رياض العروس طفولتي. تعنفني الكلمات، فتتصادم كيمياء الأشياء و رخاوة اللغة. كان من حظ الدرب الصغير الذي نشأت فيه أن صار جزءا من معرض ” آثار الليل” لأحمد بن اسماعيل سنة 1994. هذا الفنان في كل شيء، الذي يعرف كيف يصون الحياة متألقة موزعا الفرح و الصداقة. أقام في درب سيدي بوعمرو رفقة أسرته الصغيرة لسنين قبل أن ينتقل إلى حي الزاهرية. في بيته ذاك التقيت بأسماء كثيرة من أعلام الفن و الثقافة المغاربة و العرب ممن كانوا يزورنه.
كلما مررت بالقرب من السقاية إلا و تذكرت أمر بائع اللبن. كان يأتي في وقت الظهيرة أيام الحر. و يصرخ عارضا بضاعته التي يحملها على دراجة هوائية. و يتوقف بالقرب من السقاية و يشرع في ملء جراره بالماء. لا، هذا تعبير ينطوي على كثير من التزييف. في الحقيقة كان يضيف الكثير من الماء إلى اللبن الذي يبيع. كنت دائما أعتقد أن الإنسان أكبر من الزمن، و مع ذلك فهو لا يفهم شيئا. في الطرق الملتوية تنضج الحقيقة. لا يمكن أن يتملص درب سيدي بوعمرو من أسمائه. “الفروج” مثلا، ليس اسما لديك يصفق بجناحين. بل اسم رجل، وشم ذاكرة رياض العروس. كان يدفع عربته بسرعة كبيرة، و يحادث من يمر به بصوت مرتفع دون أن يتوقف. كنت دائما أراه يجري بقامته الطويلة. يجري بنفس لا ينقطع ، و يتحدث مبتعدا عمن يخاطبه. كلما تذكرت حركته الغريبة و تفانيه في دفع عربته من أجل الحياة، إلا و أدركت أننا مسودات غير قابلة للتصحيح و لا لإعادة الكتابة، ما ينقصنا هو الموسيقى التصويرية، كل شيء فينا فيلم من دون مخرج حاذق.
جاء العياشي خياطا للجلابيب و القفطان. شغل المحل الذي يوجد قرب الدرب الصغير الذي نشأت فيه بالأثواب و الخيط و البرشمان. هكذا كان الأمر في البداية. و مع مرور الوقت عدل شيئا فشيئا من اختصاصه، بدأت الأثواب و الإبر تختفي، و حلت محلها بضائع أخرى منها بعض المواد الغذائية و الأدوية . لا أنكر ذلك، اشتريت منه غير ما مرة فتامين س، أو دوليبران أو أسبيجيك، عندما كان يداهمني ألم مفاجئ في الرأس مصحوب بكسل شديد يمنعني من التنقل إلى الصيدلية. لكن خدمته الأجمل هي تلك التي كان يقدمها لأبناء الحي المولعين بعشبة المزاج، كان يوفر الخدمة بالتقسيط الذي يناسب قدراتهم في الدفع. يدخنون و ينتشون و يتحدثون و يدفعون و ينصرفون في قمة الانشراح. كان خادما للفرح بلا جشع و لا تكلف.
“فاتح” هذا الاسم الغريب الذي تجري وراءه الحكايات و القصص. كان يعبر الدرب بدراجته الهوائية، ويرد على مشاكسات بعض المارة بعبارات ألذع. كانت له مهارة خاصة في تدبير مستلزمات الأفراح من حلويات و أطباق. كانت مهمته أن يزاحم النساء في ما يعتقدن أنه حكر عليهن. كثيرا ما كان ينادى عليه من قبل بعض العائلات للمساهمة في الإعداد للحفلات و الأفراح. كان يزاحمهن أيضا في أسلوبه في الكلام.
لدرب سيدي بوعمرو مدخلان على الأقل. واحد من جهة ساحة رياض لعروس و الثاني من درب المصوبر و درب الجديد. عندما أتصور نفسي سرا لا ينبغي أن ينكشف أخرج من “قاع الدرب” مخترقا الصابات فأختار إما العبور في اتجاه سويقة باب دكالة أو طريق “لكزا”. لست أدري لماذا يمنحني هذا المسار الإحساس بأنني أصير شبحا لا يرى، عكس الخروج من الجهة الأخرى، حيث الساحة أشبه بخشبة عرض كل شيء فيها يتحول إلى حضور صريح.
“بيت الشهادة”. هذا هو الاسم الذي كنا نطلقه على القسم الخامس ابتدائي الذي يتوج بامتحان شهادة الابتدائية الذي يسمح بالعبور إلى الإعدادي. انتقلت من مدرسة سيدي عبد العزيز إلى مدرسة درب سنان التي توجد قرب مدخل حي سيدي بن سليمان. صار لها اسم آخر اليوم. كانت المدرسة حينها حافلة بالحضور الثقيل لمديرها ” مولاي يحيا”، حضور رهيب و مكلف لمن يخل بالتزاماته من التلاميذ. كنت في “فوج السابعة” الذي يبدأ حصته اليومية في السابعة و النصف صباحا و يغادر في العاشرة، و يعود في الواحدة بعد الزوال و يغادر في الرابعة. كان الاستيقاظ باكرا محملا بإحساس بالظلم تبدده العودة المبكرة في المساء. كنا نحسد تلاميذ فوج العاشرة في الصباح و نشفق عليهم في المساء. لم يكن التلاميذ من نفس السن، كان منهم من يكبرنا بأعوام كثيرة. لكن “باجدي” كان أكبرنا على الإطلاق، لذلك كنا نطلق عليه هذا اللقب. كان مؤذنا في مسجد صغير، و ينوب عن الإمام في أداء الصلاة إذا ما تغيب. كنا أطفالا و كان رجلا ناضجا. لم يكن يجاريه أحد في تلاوة سورة الرحمن أو الحديث أو الواقعة، التي كنا ملزمين بها. لأنه كان حافظا للأحزاب الستين. ما عدا ذلك كان أشبه بالسائح في الفصل. ما يتأبى على النسيان من تلك السنة هو ذكرى “سي آيت علي” أستاذ الفرنسية. هذا الرجل النبيل تفرغ طيلة الفصل الثاني من السنة لتقديم دروس الدعم لتلامذته. كان يمنحنا ساعة لتناول الغذاء بعد المغادرة في الرابعة، لنعود إلى المدرسة في الخامسة حيث يضاعف مجهوده لرفع مستوى تلامذته. كانت هذه الحصص مقدسة لديه يتعامل فيها بحزم كبير و بتفان فائق الحماس. لم يكن يقتصر عمله فيها على اللغة الفرنسية و الرياضيات و إنما يتعداها إلى مواد العربية التي تشمل النحو و القرآن و التاريخ و الجغرافيا. كل ذلك بالمجان. تلاحقت السنوات و لم يفارقني الإحساس بأن لهذا الرجل النبيل دين في أعناقنا لن نستطيع رده. في هذه السنة، اغتيل الناقد و الكاتب اليساري عزيز إسماعيل بعد طعنة غادرة من مجهول، و ظل كذلك إلى اليوم.
في رياض العروس تأكل الأيام بعضها لكنها لا تتشابه أبدا. تجعلك الحياة تتساءل مع نفسك ” هل ذاكرة يدي هي ذاكرة أذني؟” درب سيدي بوعمرو حي بروح. تنسى فيه أن المكان الذي لا تستطيع مغادرته سجن. كنا نخرج مندفعين إلى مدرسة سيدي العزيز الصناعية، فتستوقفنا مكتبة “مولاي هاشم”. كانت على بعد خطوات قليلة من السلسلة التي منها نعبر إلى الضريح. آهلة بالدفاتر و الأقلام و مجاميع القصص المصورة. لكن ما كان يستهوينا أكثر في المكتبة هي تلك الأجهزة الكبيرة، راديوهات ضخمة بأطر خشبية في شكل مكاتب أو خزانة ملابس، و صناديق العجب تلك التي كان يحملها إلى المدرسة، و يشغلها فتخرج منها الصور متحركة. كان مولاي هاشم شغوفا بالسينما، و كان من حين لآخر يزورنا في المدرسة، و يقدم عرضا بآلاته التي تقابلها جدارية بيضاء كبيرة تنعكس فيها الصور. 20 سنتيم لكل تلميذ كانت كافية لمشاهدة فيلم سينمائي للأطفال. بمقياس اليوم كانت المدرسة جد متقدمة. الزمن معكوس و يسير مقلوبا على قفاه.
رقم بيتنا 22. كان مصكوكا على قطعة فضية معلقة في أعلى الباب. بعدها غيرت البلدية ترتيب أرقام الدرب بكامله، فصار رقم البيت سبعة مكتوبا بالأسود على مساحة حمراء. نافورة زرقاء تتوسط أربعة أحواض مملوءة بأشجار النارنج و “المزاح” و شتلات الباغ و الورد و أزهار الياسمين. و في العمق سقاية بحوض مغطى بالزليج الفاسي. فوق رؤوسنا سماء مفتوحة و طيور كثيرة. لم أكن أفتقد للنجوم و لا لزرقة الليل الداكنة. كاذب من يقول إن الليل مظلم و فاسق. في بيتنا كانت لي عادة أن أتفقد السماء في تخوم الليل عندما تكون الساعة قد تجاوزت الثانية. هناك اكتشفت أنه اللوحة الأبدية التي ترصعها المصابيح السابحة في اللانهائي، اللوحة الأولى التي يأتي الفجر ليلونها بالضوء، سقفنا الأعظم الذي لا يخون أبدا. الليل سحر البدايات التي تتجدد بعد أن تكون الأشياء قد تخلصت من فضيحة الشمس.
اللغز الكبير للبيت يبدأ بمجرد أن تتخطى قدماك الباب. المدخل المعتم و الملتوي الذي يحول دون الإفصاح المباشر عن السر الكبير الذي ينتظرك: الفناء الشاسع و الأشجار المرتفعة و الشمس المبهرة التي تتمدد باطمئنان في كل الأرجاء. ” الأعكومي” اسم يدل على غرابة المدخل التي تجعل قلب الدار مفاجأة كبرى غير منتظرة. يرتفع سقفه و ينحدر بعد مروره من تحت قوس صغير و يلتوي ليرتفع من جديد، و في نهايته تصبح الدار جملة صريحة بلا تورية و لا استعارة و لا إضمار. الأجمل دائما يدرك في لحظات الضيق والاختناق. كذلك هو الأمر بالنسبة ل”الأعكومي” الذي يفصح عن تفصيله الأكثر إدهاشا في برودته المنعشة أيام الصيف التي تزداد فيها حرارة مراكش جنونا. في أيام الظهيرة القائظة حيث الحرارة ترتفع إلى 48 درجة، كنا نستسلم في استمتاع لقيلولة هادئة بالأعكومي الذي تزداد برودته بعد رشه بالماء. هناك يصبح الصيف مجرد إشاعة.
عندما أكون في البيت ينقطع صوت العالم نهائيا، سكون مطلق ترعاه السماء المفتوحة و تحميه النوافذ التي لا واحدة منها تطل على الخارج. هذا الهدوء بدوره حمى حقي في العزلة و منحني امتياز أن أفكر و أكتب.
في درب سيدي بوعمرو كنت أدخل إلى بيتنا و أنا على يقين أن نصيبي من كل شيء ينتظرني، حصتي من الفجر و من السماء و الضوء و النجوم. لم يكن هناك أي داع لأنفي نفسي في الخارج لكي أبحث عنها . الحيطان العريضة و الأسقف العالية تقاوم أي إحساس بالضيق. القبة هو الاسم الذي نطلقه على الغرف الواسعة في الرياض. تقابل بعضها في انضباط هندسي، أبوابها الضخمة متماثلة. القبة الصغيرة توحي بشيء من الدهشة لم تفلح السنون في تبديدها: زليج أخضر و سقف بهندسة غريبة يتدرج في شكل هرمي و نافذتين كبيرتين في حجم باب يعلوهما قوس مغطى بالزجاج العراقي، ومقصورة تتوغل في الحائط المقابل للباب مباشرة، ظلت مثار استغرابي إلى اليوم.
عندما أكون في البيت ينقطع صوت العالم نهائيا، سكون مطلق ترعاه السماء المفتوحة و تحميه النوافذ التي لا واحدة منها تطل على الخارج. هذا الهدوء بدوره حمى حقي في العزلة و منحني امتياز أن أفكر و أكتب. القبة الكبيرة تستحق اسمها بجدارة. تتسع لعشرات لأشخاص دون ضيق. ظلت المكان الأنيق المخصص للضيوف. قبالة الباب الكبير تستوطن، إلى اليوم، أواني الشاي الفخمة التي تتكون من صينيتين فضيتين واحدة كبيرة تملأها الكؤوس المزخرفة و يتوسطها البراد، و الثانية أصغر نسبيا تضم ثلاث علب فضية واحدة للشاي و أخرى للنعناع و ثالثة للسكر إضافة إلى كأس فضي. عند الباب مباشرة يوضع إناء غسيل اليدين و إبريقه يقدم للضيوف قبل تناول الطعام. يقابله من الجهة الأخرى “البابور” الفضي. لم يكن الشاي يعد في المطبخ، كان ذلك سلوكا غيرلائق في حق الضيوف. كان الشخص الذي يتجاسر على هذه المهمة الصعبة يتصدر الجلسة في القبة، فتوضع أمامه أواني الشاي و يشرع في تهييئه بأناة، وسط انسياب الحكايات.
قصة الجسد هي قصة المكان، الحياة التي تتفرع في الأشياء. في بيتنا برياض العروس كنا نعرف جيدا معنى الفصول، امتداد الشمس في فناء البيت أو انحصارها، وعائلات العصافير التي تحط و ترتحل، ظهور الفراشات و اختفاؤها، كل ذلك علامات لتغير الفصول. الشتاء ليس فقط المطر و إنما الهواء الصاقع الذي يصفع وجوهنا بلذة في الصباحات. كنت أستيقظ في الخامسة صباحا لأعد القهوة و أرشفها ساخنة قبالة الأشجار مستمتعا برائحتها الممتزجة بالهواء البارد، كتب بكاملها تكتب في مخيلتي دفعة واحدة جراء ذلك. في الربيع يصير للهواء إثارة خاصة، يأتي مختلطا برائحة أزهار النارنج. هذه الأزهار هي حلم الربيع المحمل بحب الحياة، المعجزة الصغيرة للخفة و الجمال. و عندما تكرر تلك الطيور السوداء ذات المناقير الصفراء و التاج الصغير فوق الرأس زياراتها في الظهيرة لتشرب من ماء النافورة مطلقة غناءها العذب، أعرف أن الصيف قد حل.
لم نكن وحدنا سكان البيت، بل كان معنا دائما و إلى اليوم و في كل الفصول كائن لطيف. طائر ” طيبيت”. هذا العصفور الصغير الذي يتقافز في مختلف أرجاء البيت، يتسلل إلى الغرف مطلقا صيحته الأليفة، نشاكسه فيطير معتليا أغصان الأشجار. نصحو على صوته في الفجر و نتذكر وقت المغيب باختفائه. كنت أداوم على جولاتي بعرصة مولاي عبد السلام في الصباح منصتا للهواء و الطيور و الأشجار، متنفسا سؤال الحياة، موهما نفسي بأن مراكش مازالت بخير طالما العرصة لم تجزأ إلى عمارات.
في رياض العروس أزيد قناعة أن نهارنا ليس قصيرا، و أن نهايته تبتعد على الدوام. في الساحة كما في الدروب التي تلتوي و الطرق التي تتشابك، تمضي أجيال و تأتي أخرى، مضت أجيال الدراجة الهوائية التي تحمل الأرواح العظيمة التي تعرف معنى الأرض التي تمشي عليها، و حل محلها جيل c90 الذي يعبد السرعة من أجل لاشيء. يُقدس العنف و الصخب و الموت. عندما يفرح يلد الكارثة، و عندما يحزن يخون الهواء والتراب و يكفر بالحياة.
غرفتي في الطابق العلوي تحفظ سيرة كتبي. لم تكن مجرد غرفة، و إنما عالم تتجاور فيه الأرواح العظيمة من خلال مكتبتي التي واظبت على توسيعها يوما بعد يوم. الغرفة كانت في أصلها صالونا قبل أن أستحوذ عليها، سبعة أمتار و نصف طولا و أربعة أمتار عرضا. باب كبير و نافذة ضخمة في حجم باب في نفس شكل باقي نوافذ البيت. كنت أتجول بجامع الفنا، عندما انتبهت أن المكتبة التي كانت تجاور مقهى فرنسا شبه فارغة. قادني فضولي لسؤال صاحبها الذي كان بقامة ملاكم. فأجابني ” الكتب لم تعد تباع، و هناك أمر بالإفراغ من قبل المحكمة.” حينها رأيت رفا خشبيا كبيرا يرتفع إلى السقف فارغا. فسألت إن كان ينوي بيعه. طلب 300 درهم. وافقته على الفور. رتبت كتبي فيه و أنا في غاية الفرح. الكتب ينبغي احترامها، و ترتيبها هو أكبر دليل على الاحترام. ورغم ذلك ظلت مكتبي مسكونة بالفوضى. وحدها المكتبات الخاملة كأصحابها تكون جيدة التنظيم. بعدها اشتريت رفوفا أخرى. كان أول كتاب مهم أقتنيه، بعد كتب جورجي زيدان و توفيق الحكيم و المنفلوطي التي كنت أداوم على قراءتها في الإعدادي، هو كتاب” أزمة المثقفين العرب” لعبد الله العروي. حدث ذلك عندما كنت في الخامسة ثانوي. كنت مارا من سوق الجلد، فرأيت الكتاب مطروحا على الأرض وسط ركام المتلاشيات التي تعرض للبيع، ملاعق قديمة، إطارات خشبية متهالكة، مسامير صدئة و صور عتيقة لجمال عبد الناصر و أم كلثوم و محمد عبد الوهاب. سألت البائع عن ثمن الكتاب، فرد” خمسة دراهم” أعطيته أربعة، وافق، و انطلقت مسرعا يغزوني أحساس بأني عثرت على كنز. من قبل لم أكن أعرف شيئا عن صاحب الكتاب، إلى أن سألنا ذات يوم أستاذ الاجتماعيات” لمن تقرأون من المغاربة؟” عم الصمت الفصل. ثم سأل ” من هو صاحب لعبة النسيان؟ هل سمعتم بها؟ هل تعرفون محمد عابد الجابري و عبد الله العروي؟ إنهما أهم مفكري العالم العربي اليوم؟ ” كان هذا التأنيب وخزا عميقا في نفسي.
كانت أولى الكتب التي قرأتها بالفرنسية ” الأسد” لجوزيف كيسيل، و ” أطفال الأزقة الضيقة” لعبد الحق سرحان، و ” مولن الكبير” لألان فورنيي. قرأتها في السنة الخامسة إعدادي بإعارة من زميل كان شغوفا بالأدب المكتوب بالفرنسية.. لا يمكن أن أفصل سيرة غرفتي عن الموسيقى. رغبتي في العودة إليها هي رغبة في القراءة والإنصات لما أحب من التسجيلات. عندما توفرت لي بعض النقود اشتريت جهاز تسجيل كبير بمكبرين للصوت، بعدها اشتريت من الصديق الفنان العازف البارع على القيتار خالد إصباح جهازا كبيرا من نوع “كراون” بمكبرين ضخمين للصوت وقارئ للإسطوانات القديمة و مشغل للأشرطة. كان اقتناؤها فارقا كبيرا في إدراك عالم الموسيقى بفعل جودة الصوت. لم يكن سهلا الحصول على ما أشتهيه من مؤلفات، كنت أمضي ساعات طويلة متنقلا بين محلات التسجيل بحثا عما أرغب فيه. إريك ساتي، مثلا، الذي قرأت عنه كثيرا و عن علاقته بالسورياليين لم يتسن لي الحصول على أحد تسجلاته إلى أن ظهر اليوتوب. كان للموسيقى مجدها الكبير و لم تكن متاحة بسهولة مبتذلة كما اليوم. كنا نتعب كثيرا من أجلها. راكمتُ تسجيلات لكبار الكلاسيكين الغربيين، بتهوفن، موزار، باخ، شوبان، رافيل، ليتز، غريك، شايكوفسكي، خواكين رودريغو، و فيفالدي الذي تسللت فصوله الأربعة لكتاباتي. كنت أقصد محلات القرصنة و أقتني أشرطة كاسيط من حجم تسعين دقيقة للمغنيين الذين أحب أن يتقاسموا معي العالم الفسيح لغرفتي: بوب مارلي، شارل أزنفور، إيدث بياف، ميشال ساردو، بيير باشلي، ميرييل ماتيو، جوداسان، البيتلز، إيغلز، سكوربيون، خوليو إغليسياس، براسانس، أرمسترنغ، ري شالز، بيبي كينغ، فرانك سونتانا، الحسين السلاوي، اسمهان، مرسيل خليفة، الشيخ إمام، فيروز، زياد الرحباني، والإخوة ميكري. تعززت خزانتي عندما أهداني جدي صندوقا يضم العشرات من أشرطة أم كلثوم. كنت أيضا أقصد محل “عزيز” بالقنارية للحصول على تسجيلات لأمسيات محمود درويش الشعرية.
كانت أول حركة أقوم بها عندما ألج غرفتي تشغيل الشريط المشتهى الذي يناسب اللحظة و المزاج. لا أقرأ و لا أكتب إلا على إيقاع الموسيقى. لم أقرأ قط إلا و أنا جالس إلى المكتب، أكره القراءة ممددا على السرير. كل ما كتبته انساب على الورق ممزوجا بإيقاع ما كنت أنصت إليه و نكهة البن الذي لم يفارق مكتبي أبدا. كنت أنغمس بين أوراقي و كتبي محاطا بالزليج الأزرق الذي يغطي جدران الغرفة. أراه سماء متموجة. يكره مكتبي النظام: أوراق مبعثرة في كل واحدة جملة أو فقرة، أصبح بعضها كتابا فيما بعد، و أخرى مازالت تنتظر. كتب مفتوحة على صفحة معلّمة لا أجرؤ أبدا على إغلاقها. أقلام من مختلف الأنواع، أقلام رصاص، أقلام حبر جاف، حبر سائل.. دواوين أدونيس التي تسعفني كثيرا عندما يداهمني اليأس أو أغرق في الفراغ. لا أكتب و لا أقرأ و إلا وباب غرفتي مغلق. تأتي الطاقة من العزلة، من الجدران المغلفة بالصمت. مُدّع كبير من يقول إنه في حاجة إلى منظر جميل لكي يستجمع الكلمات و يبني صرح الأفكار. كانت الموسيقى في غرفتي برياض العروس تطرد العالم، شاغلة الفضاء بهمس الكتب. على الجدار تقابلني لوحة ثمينة لأحمد بن اسماعيل و ثلاثة بورتريهات رسمها قاسم الأنصاري واحد لجاك بريفير و الثاني لجاك بريل و ثالث لناجي العلي و صغيره حنظلة.
العارف بمراكش كائن مستحيل أو كاذب. مراكش أسرار متمنعة، دهشة متحركة تحجبها الجدران و موكب مفاجآت تظهر و تختفي. في أبريل تتألق أجمل زرقة في سمائها. بهاء ضوئها يظهر قبيل الغروب حيث ينزاح ستار الشمس فلا يكون هناك أي داع للتساؤل” من سينير بعد الآن؟” في هذه الزرقة النادرة أتملى النجوم و هي ترتعش، تقترب و تبتعد، أعرف أنه الزمان الذي يتحدث من عمق اللاشيء السحيق، ضوء الهلاك المدون سلفا في كل أرجاء الكون.
لم تغير المدينة وجهها، لكنها ضيعت روحها. الأسواق صارت “بازارا” كبيرا، و الدروب التي كانت في هدنة مع نفسها، صارت ملجأ يمزقه جنون دراجات C90 و تجار الحشيش و الأقراص القاتلة، و الناس الذين كانوا يستهلكون الحياة ببهجة أصبحوا يدفعونها بوجوه مكفهرة يغزوها الملل و الحزن. مراكش التي كانت حلما على الأرض، صارت أرضا في الحلم فقط.
لغرفتي في رياض العروس صلة حميمة مع الحرف. أن أشوش على بياض الصفحات بخطي المائل الذي يكاد لا يُقرأ. للكتابة وقتها المقدس، عندما تميل الشمس إلى الغروب.الخامسة في الشتاء، و السابعة في الصيف. في العاشرة يبدأ التجول في جليز هذا الحي الجميل الذي شاهدت احتضاره يوما بعد يوم إلى أن صار ركام تفاهات و جشع مقزز ووجوه عابسة لا تطاق. للكتابة على الورق صلة روحية بالجسد، ليس كما هي الكتابة على ملامس الحاسوب. في غرفتي كتبت نصوصي الأولى التي نشرت بجريدة بيان اليوم و أخبار الأدب أيام جمال الغيطاني. كنت أكتب و أحس بأنين الصفحة التي تعاني من بياضها، أسمع نداءها و أستجيب. ما الذي يتبقى من روحنا في نصوصنا التي وضعناها على الشاشة؟ في ائتلاف الحبر و الورق، الكلمة المكتوبة و الكلمة المشطوبة، الكلمة المضافة بين سطرين، الكلمة التي لم تكتمل، الكلمة المترددة بين جمليتين، في كل ذلك ترقد حميمية الحياة و لغزها. الصفحة البيضاء هي اكتمال ما كتب سلفا و ما لم يُكتب بعد. أما الحبر فهو النهاية الحاسمة لهذا الاكتمال ليشرع التاريخ في الانتشار.
لم أحاور قط سوى أصوات المستقبل. كنت أداوم على جولاتي في قلب مراكش متوغلا بين الدروب والممرات و الأسواق و الأزقة. في كل مرة كنت أراها شيئا جديدا مفاجئا و مذهلا. كان للناس فيها طعمهم الخاص كما الحياة. اليوم تعيش المدينة باستمرارِ باسمٍ أتلف الزمن و البشر مسماه. لم تغير المدينة وجهها، لكنها ضيعت روحها. الأسواق صارت “بازارا” كبيرا، و الدروب التي كانت في هدنة مع نفسها، صارت ملجأ يمزقه جنون دراجات C90 و تجار الحشيش و الأقراص القاتلة، و الناس الذين كانوا يستهلكون الحياة ببهجة أصبحوا يدفعونها بوجوه مكفهرة يغزوها الملل و الحزن. مراكش التي كانت حلما على الأرض، صارت أرضا في الحلم فقط.
89 حالة جديدة مصابة بفيروس كورونا. أزيد من شهر و نصف من الإقامة الإجبارية بالبيت بسبب الحجر الصحي. لم أتأقلم قط مع هذا الاختناق. اليد اليسرى تشك في اليد اليمنى. اللمسة صارت شبهة خطيرة. لم يعد للآخر من معنى سوى العدوى و الموت. قاومت بالاستماع للموسيقى و مشاهدة الأفلام و القراءة. قاومت بنسيان الزمن و تسديد جزء من الدين المستحق للحي الذي نشأت فيه. يبدو الليل بلا نهاية. أكتب و أتطلع من النافذة التي تقابلني إلى النجوم التي ترتعش في السماء. تنتصب أمامي سقايات رياض العروس التي طمست اليوم، فتقنعني أن التاريخ ألم كبير لا يُحتمل. من المحو يبدأ كل شيء. أكتب ما عصف به النسيان، أكتب لأمحو دروب العمر و أستطلع الأثر. يرن الهاتف، أتوقف متذكرا صيحة د.ه لورنس” لا فائدة من رَجُل بساقين، إذا كان عليه أن يقف بثبات..” رياض العروس، حياة لا تُكتب مرتين…
مراكش، زنقة ابن قدامة 16 ماي 2020
.