مذكرات

ايام درب ضبشي.. أوفي الطريق إلى السينما

إلى روح الجميل مولاي امحمد العلوي

عبد الصمد الكباص

كان ذلك في بداية صيف 1978. أذكره بأجواء المباريات التي كانت تُنقل على شاشة القناة الوحيدة  التي تحتكر عيون المغاربة حينها، و أخبار اللاعبين والمقابلات التي كان الكبار يتبادلونها أمامي. عرفت بعدها بسنين أن الأمر يتعلق بكأس العالم بالأرجنتين. لم تكن الحرارة آنذاك منهكة لجسمي، بل مصدر بهجة ملغزة و حماس غريب. كان ظهور فاكهتي المشمش و البرقوق إشارة سعيدة باقتراب انتهاء محنة المدرسة و انطلاق العطلة الصيفية الطويلة. لذلك كنت أراقب جنبات الطريق بدقة شديدة ترقبا لظهور عربة صغيرة تعرض حبات الفاكهتين. في ” درب ضبشي” [1]، و بالقرب من فندق “لوريكي” الذي كان جدي” مولاي الصالح” يكتري فيه ورشة للنجارة لصنع الصناديق المزينة التي كانت تُستعمل جهازا للعرائس، كنت أمر بعينين متأهبتين، لأن هناك محلا يعرض مبكرا فواكه الصيف قبل ظهورها العادي في الأسواق، البطيخ و المشمش و البرقوق.. نفس الشيء بالممر المؤدي من رياض العروس إلى مدرسة سيدي عبد العزيز الابتدائية حيث كنت أدرس. و ما أكاد أرى حبة من هذه الفواكه حتى يدق قلبي سريعا، ويسري في أطرافي حماس نادر يفيض منه فرح لبهجة الحياة.

في بداية صيف هذه السنة، أنهيت أول موسم دراسي في حياتي، و اجتزت ” الامتحان الكبير”، كما كنا نسميه، بنجاح أنساني خيبتي الكبرى من المدرسة، التي اكتشفت فيها سجنا مؤدبا ، تناولت فيه أنا وزملائي الصغار وجبات متنوعة من التعذيب من يد معلمتنا. أستطيع أن أرى بوضوح حجرة الدرس في القسم التحضيري: الباب الزجاجي يعتليه قوس كبير، يملأ الفصل بالضوء، مكتب المعلمة الذي يرتفع عن الأرض بعشرين سنتمتر، هكذا أخمن الآن. و خلفه الخزانة التي تُغلق بالمفتاح على أسرار تظهر في أعيننا أنها مكمن سلطان المعلمة.

لم تكن المعلمة تفتح الخزانة أو تغلقها بيدها. كانت إحدى التلميذات تنتظرها واقفة عند باب الفصل. و ما تكاد تلتقط أول إشراقة لها في ساحة المدرسة على بعد أزيد من عشرين متر، حتى تسرع راكضة لتقبل يدها، و تحمل محفظتها الصغيرة و المفاتيح، و تعود مهرولة لتفتح الخزانة و ترتب مكتب الأستاذة.

عندما تتحرك التلميذة إياها، نحبس أنفاسنا، و يعم الرعب فضاء الفصل، ونوقن أن الأسوأ قد بات قريبا منا. تُفتح الخزانة، و تشرع اليد الصغيرة لزميلتنا في ترتيب محتوياتها، العصا الحديدية على يسار المكتب، و بجوارها العصى الخشبية الأطول منها، و في اليمين علبة الطباشير، ثم دفتر كبير و أشياء أخرى في الوسط.

لو سُئلنا في ذلك الزمن من الأهم المعلمة أم الحسن الثاني؟ لأجبنا : طبعا المعلمة. أما الحسن الثاني فكان مجرد وجه يطل علينا من شاشة التلفزيون، كما يفعل السندباد و صديقته العصفورة ياسمينة بعد بداية البث في الساسة مساء.

كانت طبيعة العصا التي تحملها المعلمة في يدها تحدد ما ينتظرنا من عقاب.  الحديدية للضرب على اليدين، و الخشبية ” للفلقة”[2]: تقييد الرجلين و تعنيف القدمين الصغيرتين بضربات متتالية إلى أن تتورم. بعدها بسنين طويلة قرأت أن وجبات مماثلة كانت تقدم في المعتقلات السرية للمعارضين. أما جرائمنا التي كنا نستحق عليها كل هذا العقاب فهي إما ضحكة طائشة، أو همسة في أذن زميل، أو  قطرة مداد تسقط سهوا في صفحة دفتر التمارين.

كان للمعلمة طقوسها الخاصة التي كنا نتلقاها برهبة. تستريح في مكتبها. تأخذ العصا، و تعنف بضعة رؤوس بدون سبب يذكر. و تأمر إحدى التلميذات بالذهاب إلى الفصلين المجاورين للمناداة على زميلاتها. ليتداولن في موضوع الفطور. فتأمر أحد تلامذتها بالذهاب عند ” سي الناوي” صاحب المحل المقابل للمدرسة، ليطلب عصائر اللوز و الكرواسان و حلوى الجوز الهندي. عندما يجهز الطلب يحمله التلميذ مهرولا عائدا إلى الفصل. تتجمع المعلمات في حلقة صغيرة يلتهمن ما اشتهينه من حلوى و عصير، يضحكن و يتغامزن، و نحن نراقبهن وعيوننا مسمرة على ما يأكلن. تترك معلمتنا مائدتها وتحمل عصاها قاصدة رأس أحدنا و يديه، و البقية معروفة، دموع و دم و بكاء.

لذلك ظل المشمش و البرقوق بالنسبة لي منذ ذلك الحين، فاكهتين أسطوريتين، أتذوق فيهما طعم الفرح، و أشتم رائحة الحرية. تجربة ممتعة لترقب الأجمل، تتجدد مع بداية كل صيف.

عندما تتأخر الشمس في الغروب، و تفسح السماء امتدادا أكبر لزرقتها فتصير في أعيننا أشسع و أرحم، و نتخفف من ملابس الشتاء، ندرك أن الأمل في الانعتاق من أسوار المدرسة قد صار وشيكا. هكذا كنت أحس في السنوات الأولى من التحاقي بها. كان كل يوم يتآكل إضافة عظيمة لرصيدي من الأمل.

في بيتنا برياض لعروس [3] كانت علامة التحرر الوشيك تبدأ من المجيء المبكر للصباح، و انتشار الشمس على امتداد صحن الدار، و توافد العصافير المغردة. كان في ذلك معنى آخر، حلول موسم الأعراس، و السفر إلى كزابلانكا بسيارة رونو أربعة التي كان يملكها والدي، و النزول إلى المياه المالحة لشاطئ “طمريس” أو” زناتة” أو المحمدية..[4]

 أيام طفولتي، كان الوقت، في بداية الصيف،  يأتي مبللا كما الضوء يغتسل بنوره، يتواطأ مع رغبتي الجامحة، فيأكل أيام الدراسة بسرعة ممتعة، ليفسح المجال للعطلة الكبيرة، و يفتح قلبي لهبّة من التسامح  إزاء كل شيء، حتى مع المعلمة التي كنت في العادي من الأيام أدعو الله أن يجعل بيتا قديما ينهار بكامله فوق رأسها، حتى لا تأتي في الصباح البارد لتعذب أيادينا المثلجتين بعصاها الحديدية، لكنه كان يخيب رجائي، و يرد دعوتي. لأعاود الكرة مرة أخرى في اليوم الموالي، فأنوع من المصائر التي أختارها لها بطيبوبة طفولية ساذجة، كأن أطلب لها أن تنزلق و هي نازلة من الطابق العلوي من منزلها. فتنقل إلى المستعجلات عوض أن تأتي إلى الفصل، و كل ذلك ليس رغبة في الشر، و إنما طموحا بريئا للإفلات المؤقت من تهديد بالألم يتكرر مع كل صباح.

لم تكن الحرارة تدمرني كما اليوم عندما بدأت الشيخوخة تزحف على جسمي، بل كانت تحمسني، و تهديني الإحساس الذي يكفي ليكون المرء راغبا في الحياة إلى أقصى حد. كان ظهور الغيوم في السماء نذير شؤم، و مبعث حزن عميق، لأنه يعني أن الصيف أوشك على الرحيل، و أن المدرسة ستفتح أبوابها قريبا، و أن موعد وجبات التعذيب قد حان.

أجلس الآن في مقهى النخيل، في هذا الصباح اللطيف من أواخر غشت 2013. أمامي فنجان أرابيكا، و كأس ماء بارد، و علبة أمستردامر و الهدية الثمينة القادمة من بادوفا الإيطالية. الأغصان الكثيفة للأشجار تتمايل، و هفيفها يملأ النفس نشوة. حشوة الأمستردامر تكاد تنفذ، أرشف الماء البارد وأطلب براد شاي. الرحيل صداقة النور، و ضحكة الشمس أول الجنون.  يحدثني الشاي عن الأرض التي تبحر في دمي، و عن همس الكون في خلاياي، و عن شرارة البرق في القلب.

كنت في ذلك اليوم قد تخلصت من مذاق الخيبة و الحزن و الملل، طرت خارج المدرسة، و سأواصل التحليق لأسابيع طويلة. ذقت أول طعم للنجاح في ابتسامات الأقارب و تهانيهم، و حفلة الليمونادا و الحلوى بالبيت، وورقة عشرة دراهم التي وضعها والدي في يدي. غفرت للمعلمة قسوتها و صرت أفرح بزرقة السماء عند المغيب، وغناء اليمام في الظهيرة، و رائحة البطيخ.

في تلك الفترة بالضبط، انتبهت إلى تلك الثنائيات  المراكشية الغريبة، التي يلتصق بعضها ببعض في مخيلتنا، و يستدعي تلقائيا الواحد منها الثاني في حياتنا: القهوة و الحليب، الدلاح و المنون (البطيخ) ، المشمش و البرقوق، كوكا و فانتا، التفاح و البنان(الموز) ..  تزاوج بعضها في كلامنا، و في أطباقنا و موائدنا ، وحتى في انتظاراتنا..

كان الكبار مشغولين بالحديث عن المباريات التي ينقلها التلفزيون المغربي بلسان المعلق البلجيكي. و كنت أنتظر بفارغ الصبر حلول المساء لينفذ خالي مولاي امحمد وعده باصطحابنا إلى السينما. كانت تلك هديته لنا ـ أخي رشيد و أنا ـ بمناسبة نجاحنا.

السينما. باب كبير يحتشد أمامه الناس، و ملصقات ضخمة تطل منها وجوه مدهشة، تتزاحم حولها العيون. هذا ما كنت أعرفه من خلال مروري أمام قاعة سينما ” الزهرة” بعرصة الحوتة[5]. و ما يدور بداخلها سيكون شيئا مدهشا وساحرا، لكنني لا أعرف ما هو لأنني لم أكن قد دخلت إلى قاعة سينما من قبل.

في الصباح، هيأتنا والدتي كما يجب. حمام منعش،  لباس جديد، و عطر. تماما كما يحدث عندما نهم بالذهاب إلى عرس. تذوقت ذلك الصباح النكهة النادرة للفرح. خفة تجعلك ترى نفسك فوق رمش غيمة، أو فراشة بأجنحة من هواء، كمن يسكن العطر، و يأكل الضوء، و يطمع في ابتسامة الصخر.

قصدت “درب ضبشي” رفقة رشيد. عرجنا أولا على فندق لوريكي، لنحيي “بّا سيدي ” في ورشته. و توجهنا بعدها إلى درب الجامع، مخترقين درب الحجرة الذي يصب فيه، إلى أن وصلنا الدار التي يقطن فيها جدي و جدتي و أخوالي، ووالدة جدتي ، و خالة جدي..

كانت غرفة خالي مولاي امحمد في الطابق العلوي. و بها نافذة تطل على صحن الدار، نسمع منها برامج إذاعة ” رابا شين أنتير” الناطقة بالفرنسية، والأغاني الجميلة لجوداسان، و ميشال ساردو، و جورج براسانس ، و شارل أزنفور، المنبعثة  من ترانزيستور صغير.

عندما تدخل إلى دار جدي بدرب ضبشي، يكون عليك أن تنزل درجين أو ثلاثة، لكي تصل إلى الصحن المنفتح على السماء. و أول ما يستقبلك فيه الفازات الصغيرة التي غرست فيها شتلات تلك النباتات الأليفة في الدور المراكشية حينها: خدود الجوار (الجيرانيوم) بألوان أزهارها الزاهية، و الباغ بأوراقه الخضراء المنبسطة، و الحبق  و النعناع ذي الرائحة الجميلة. كانت “أمي السعدية” تعتني بها كما لو كانت أحد أبنائها. ترشها بالماء في الصباح الباكر، و تشذبها و تزيل الغبار عن أوراقها.

و في الجدار المجاور للمطبخ، ينتفخ غطاء البئر القديم التي لم تعد الأسرة تستعمله منذ الارتباط بشبكة الماء الصالح للشرب. قربه كانت تجلس ” حبيبتي اللاباتول”. هكذا كان كل أفراد العائلة ينادونها. كانت امرأة بشوشة قريبة من الجميع، رغم تقدمها في السن. تملك خفة ساحرة تجعل من المكان الذي توجد فيه فضاء مرحا. بالنسبة للأطفال الذين كناهم، اللاباتول كانت هي متعة ” الحجاية” ( الأحجية) ، الخيال الممتد إلى اللامتناهي، بلا حدود و لا إكراهات و لا استحالات، الأميرة  التي حولتها الساحرة إلى حمامة، تبكي مآلها كل مساء فوق السور إلى أن ينهار بدموعها، و القصور التي تتحول إلى صخور، و الذهب الذي يصير فحما..

عندما هممنا بمغادرة البيت رفقة خالي مولاي امحمد، تركنا “حبيبتي اللابتول” في مكانها قرب الجدار المنتفخ للبئر. كانت تقوم بمهمتها اليومية بعد كل عصر. تدق حبوب القهوة ممزوجة بالعطور التي دأب المراكشيون على تطعيم البن بها: المسكة الفاسية، و القرنفل و جوز الطيب.. رائحة القهوة المطحونة بدقات “عمود المهراز” (مقبض نحاسي) تسحر الأنوف، و توقظ الحواس النائمة، وتشعل شهوتنا للسمر.

” الذِّكر”. هكذا كان يُسمى ذلك الإنشاد الذي تصاحب به ” اللابتول” دقات العمود النحاسي، التي تفرم حبات البن. مزيج  غريب من الحنين و الحزن والفرح، ينسل في كلمات أشبه بالبرتقال الأزرق في حلم جليّ لبول إيلوار.

أضع الآن أمامي فنجان قهوة و كأس ماء و علبة أمستردامر. الغيوم تكسو السماء فوق رأسي، و الأشجار تتمايل بهدوء. فناء المقهى الفسيح فارغ من الزبناء. هنا أتصيد عزلتي، لأعيد ترتيب فوضى دواخلي. ليست الحياة سوى ما أتذوقه بحواسي: الألوان، الروائح، الأصوات و المذاقات..رائحة البن أروع من مذاقه. خلفت طفولتي في الحكايات و العيون الظامئة.

في طريقنا إلى سينما موريتانيا، كنت أحلم أن العالم سيصير بلا مسافة، و أن المكان مجرد حركة للعين، و أن الزمن مجرد ذكرى. عند الباب كان جمع غفير يتكدس حول شباك التذاكر، يوازيه جمع مماثل يأكل بعينيه صور الأبطال المعلقة في الملصقات. اقتنى خالي التذاكر. و اندفعنا وسط الحشود المكتظة حول مدخل القاعة، وسط أحاديث ثنائية يتبادل فيها أصحابها المعلومات حول الشريطين المعروضين. صعدنا إلى البلكون. يسبقنا شخص يحمل مصباحا صغيرا. وجهنا إلى مقاعدنا. حينها انتبهت إلى أن العرض قد بدأ.

كان حجم الشاشة بداية دهشتي. وجه الممثلة الهندية التي تغمز عشيقها بعينيها الواسعتين، كبير جدا. ليس كما اعتدته في شاشة التلفزيون الذي ببيتنا، و الذي لون العالم بكامله بالأبيض و الأسود. أمامنا تمتد صفوف متراصة من الرؤوس التي لا تكاد ترى وسط هدوء تكسره صيحات متفرقة من هنا و هناك. في الصف الذي أمانا مباشرة، شاب يضع راحة يده على عنق الفتاة  التي تجاوره، و إلى جانبها شابتان تتبادلان معها التعليقات من حين لآخر.

الحافة. الهشاشة ذاتها التي تخاطبنا في كل شيء، في مصافحة الآخر وفقدانه المفاجئ، في منتصف الطريق بين لحظتين، في يقظة الشمس ساعة الغروب، وفي الانتصار الواهم للحب و مشقة الغياب. الأيام ممسحة العدم، أثره الكريه، دوامته المفزعة في فنجان قهوة.

لم أعرف قط عنوان الفيلم الذي شاهدناه. لم أذكر حتى أن خالي انسل من السينما بعد أن ثبتنا في مقاعدنا و لم يعد إلى عندما شارف الفيلم على النهاية كما أخبرني أخي قبل أيم. لكنني أذكر مشهد دس حية مخيفة  في فراش البطلة الجميلة. ظل هذا المشهد ماثلا أمام عيني حتى بعد مرور 38 سنة عن دخولي لأول مرة للسينما. عندما غادرنا القاعة، كانت الحياة تضج بقوة. ناس و أدخنة ، فرح يتدفق من العيون، و أخوة دافئة مع العالم. أو هكذا تخيلت. كان المغادرون يتجمعون حول بائع النقانق المشوية بسلالات أدخنتها المتجولة بين الرؤوس الحالمة.

كان في عمق هذا الجوع الذي تبعثه الفرجة، جوع أكبر و أعظم. الجوع إلى الحياة. شغف بالأقوى و الأمتع، شغف بالمغامرة، بالأمكنة الطائرة كما العصافير المحلقة فوق رؤوسنا. كنت أحس أنني اكتملت و لم يعد ينقصني شيء، و كان هذا الاكتمال يفيض فرحا نابضا من قلبي، حتى أنني أحسست أن كل الكون جدير بابتسامة، و أن الزمن هدية رائعة يصعب التفريط فيها. إنها الحياة التي يباركها ضوء الفجر، و همسة النجوم بالليل.

عندما غادرت قاعة السينما، أحسست كما لو غسلت عيني و أزحت عنهما غبارا ثقيلا. أسرت لي الصور أن الماء عنصر لا يشيخ. كنت أرغب في العودة سريعا إلى البيت لأحكي ما رأيت، و أنقل عدوى الفرح و المتعة، و لكي أحيا السينما منفردا في أحلام اليقظة عندما تُطفأ أنوار غرفة النوم. كنت في الحقيقة أطير، مستسلما لجاذبية عالم جديد، ارض محمولة بنسمات الهواء الطليق، وجداول الماء التي تغازل فرح العشب و المطر.

جاء الذي لا يمكن إصلاحه. مرت 38 سنة. قمت بجولة في أحياء مراكش العتيقة بدراجتي الهوائية. مررت من “درب ضبشي” ملاذ طفولتي، فوجدته ينجرف بعيدا عما ألفته حينما كنت صغيرا. مات الذين كنت ألوذ بدفئهم، عبروا بعيدا، تاركين الحي لزمن البلاستيك، و لتجارة الحزن، و النظرات التي تضيق ببعضها تائهة بين الشاشات الملساء. الحقيقة التي تخنقنا رويدا رويدا، طردت كيمياء الرومانسية التي كانت تتدفق بين الدروب، كاشفة خيبة المدينة.

عبرت ذات يوم من بداية الألفية الجديدة نحو حي القصبة. فوجدت سينما ” موريتانيا” قد صارت اصطبلا لعرض خرفان عيد الأضحى. الملصقات الكبيرة التي منها كانت تطل العيون الفاتنة للبطلات الهنديات، مزقت، مخلفة وراءها جدران جريحة، محبطة من الإفلاس و الخراب. في 19 غشت 2013 مات خالي مولاي امحمد الذي فتح أمامي لأول مرة أبواب فسيحة من الحلم و الفرح. بعده بسنة ماتت جدتي للاسعيدية، و قبلها بسنة مات جدي مولاي الصالح. زمن جميل من الحكمة والبساطة انغلق.

[1] ـ حي يوجد في قلب مراكش العتيقة قرب ساحة جامع الفنا الشهيرة

[2] ـ أسلوب كان رائجا في المدارس المغربية، لتأديب التلاميذ ، تقيد فيه الرجلان و الضرب على القدمين

[3] ـ حي شهير في مراكش العتيقة قريب من أسوار باب دكالة

[4] ـ شواطئ قرب مدينة الدار البيضاء

[5] ـ حي عتيق بمراكش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى