مذكرات

الشاعر الراحل رشيد بوخير: في مراكش لا شيء يبدو ملموسا و مجسدا ماعدا الفقر و الفاقة و مشتقاتهما

“جمعتني بالشاعر الراحل رشيد بوخير ، صداقة نادرة . تقاسمنا فيها هوسنا المشترك بالكتابة و الحياة ، لم يسعفنا رحيله المفاجئ أن نستكمل الرحلة التي بدأناها . كان كما يعرفه جميع أصدقاؤه نبيلا و كريما في محبته و حكيما في رؤيته. في سنة 2000 طلبت منه أثناء إحدى جلساتنا المعتادة بمقهى”كارمن” بشارع علال الفاسي حيث كان يجلس لتنقيح نصوصه الشعرية، أن يكتب عن مراكش. فكان هذا النص الذي ترجمته عن الفرنسية.. عندما نموت  لا يتبقى منا سوى ما خلفناه من حكايات ..”

  (هذا النص مهدى من عبد الصمد الكباص إلى قراء لوسات أنفو)

إذا كانت مراكش فضاء بجسد أحمر، فما لا يمكن إنكاره هو أن لهذه المدينة روح قزحية. إنها مدينة التخوم القصوى التي تتجمع  فيها كل المتناقضات . وهو ما يجعل منها فضاء أكثر جاذبية يغمرنا دهشة وإثارة و يحفزنا على تأمله و التفكير فيه .

شيء ما بدائي يسكن هذه المدينة التي بدأت تفرز مواد يستعصي تناولها. و غالبا ما تكون غير منسجمة مع نصب الماضي. الشيء الذي يشحنها بغليان محتشم لتدخل في سياق تحول يتم بسرعة السلحفاة أي بسرعة الزمن العربي. و مع ذلك، و كما هو الشأن في العالم كله ، سواء أردنا ذلك أم أبيناه، فإن الزمان سينال منها ليكرهها على الخضوع لقانونه .

المعمار بمراكش يصمد نسبيا أمام تقدم الزمان. ويبدو فخورا، و حتى ومغرورا في بعض الاحيان بذاته. أما السكان فيبدون كجمهرة تفتقر للهاجس العقلاني. فالمدينة تمنح نفسها كفضاء لتجميع الأفراد كما لو كانوا محاربين صغارا يطيعون بعماء واجباتهم الشخصية الصغيرة جدا. و يعيشون حربا مع إكراهات الواقع اليومي.

توجد في مدينة مراكش كما في باقي المدن المغربية أزمة هوية. تتمظهر في هذه الازدواجية التي تشرخها بين المطلق و المعيش، بين المقدس الديني و المادي الدنيوي . فالمراكشي مرهون بين إعصارين متقاطبين يعصفان به و بعالمه، هما إعصار الحداثة و إعصار التقليد. و هذا الوضع القاسي لا يمنحه حتى الفرصة و الوقت اللازمين للتفكير و التأمل في ذاته و مصيره. ليصبح الإنسان فيها بحكم تقلص إمكاناتها الإقتصادية والاجتماعية ممتصا في دوامة النضال اليومي من أجل انتزاع نصيبه الذي يمكّنه على الأقل من الاستمرار في الحياة في حدودها الدنيا.

وكما في رواية خيالية شخصياتها كالظلال، تعطي المدينة انطباعا بأنها حيز معلق في الفراغ، و أنها طلقت الزمان و فارقته بدون رجعة. في هذا الفضاء لا شيء يبدو ملموسا و مجسدا ماعدا الفقر و الفاقة و مشتقاتهما . فبقدرما تتغلغل في قلب المدينة العتيقة بقدرما  تزداد قوة الرائحة المقرفة للبؤس الذي أصبح من فرط شيوعه شبه خفي . لقد أضحت هذه المدينة عاصمة حقيقية للفقر الذي يفرض على العين و الرؤية أسماله و بشاعته.

مراكش ضحية استغلال بشع للمضاربات التي يحركها هاجس الربح السريع . لذلك فكل شيء جميل فيها، هو قيد التحلل و التفتت حاليا. و هشاشتها هذه تجعلها عرضة لكل المخاطر. إنها تغير مزاجها باستمرار حسب تغير و تعدد الكائنات التي تؤثثها و تتقاسم فضاءاتها، سياحا كانوا أم أهالي محليين، لينعكس كل هذا على جوها العام الذي تتناسل فيه فصول تتجاوز في لحظة واحدة الفصول الأربعة المتعاقبة على مدار السنة .

لا حول و لا قوة للمراكشي البسيط العادي في إمكاناته أمام هذا الوضع العنيف الذي يدهشه. إنه يتلقاه و لا يستطيع أن يفعل إزاءه أي شيء .

لقد خلف الماضي في هذه المدينة قليلا من البصمات و كثيرا من الذكريات و أكثر بكثير من الكلمات . إن المراكشي يكاد لا يفقد أي شيء من مكر لغته المحتالة الممتلئة فكاهة. و بدون السقوط في العموميات يمكننا أن نجزم بأن المراكشي يبقى لسانا حادا مشدودا إلى الواقع اليومي ببلاغة نادرة. ورغم ذلك فهناك إرادة تعمل خفية على تأبيد الطابع الفلكلوري للمدينة و تحويل سكانها الى كائنات مروضة معدة للفرجة و إمتاع العين الأخرى. لتصبح في نهاية المطاف فما أبكم بلا صوت و لا غضب ..

ما أعشقه في مراكش هو هذا الجنون الليلي ، و هذه الحياة تحت الأرضية التي تنعكس فيها الاستيهامات السرية لأناسها، و جاذبيتها السوريالية التي تغذي الذاكرة . في بعض الأحيان أحس بأنني أعيش في مستنقع بمياه و كائنات راكدة بعيون بعيدة عن التاريخ بسنوات ضوئية، ورغم كل هذا الإحساس بالقتامة و الركود، تبقى مراكش بالنسبة لي مدينة الغموض الملتبس. ووحده الرجوع الى الذات يمكنه أن يساعدنا على رؤية أكثر وضوحا …

ختاما ، و من خلال المبدع الذي قد  أكونه ، أعتقد بأنه لا زال في هذه االمدينة من الحب ما يمكننا قطفه و تقاسمه مع الآخرين كما . أنني أعتقد بأنه من الواجب على مراكش أن تعيد التفكير في نفسها من دون السقوط في أية نزعة شوفينية أو جهوية بليدة و متطرفة و غير مجدية. لكي تتمكن من استرجاع حالة البهجة التي التصقت بها تاريخيا و فقدتها مؤخرا جراء هذا الخلل الذي أتعبنا جميعا …

 ملحوظة:جمعنا هذا التصريح من المبدع الراحل رشيد بوخير، الذي غادرنا في 17 يناير 2007،  و دوناه و ترجمناه الى العربية في شهر رمضان سنة  2000.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى